صُدم المجتمع الاسرائيلي بالمظاهرات المليونية العابرة للفضاء المنظمة للتضامن مع إضراب الاسرى، وذهل من سرعة "البروفايلات" في ارتداء الزي الموحد للمعتقلين في ساحات التواصل الاجتماعي.
لقد توسعت نسبة وعدد المستخدمين لمواقع الاعلام الاجتماعي، كما زاد استخدام اللغة العربية ضمن الوسائل المستخدمة في التفاهم والتواصل وفقا لأحدث نتائج طرحها تقرير الاعلام الاجتماعي العربي. كما تشير الاحصائيات الى وصول عدد مستخدمي "الفيسبوك" في أراضي السلطة الوطنية مليون مواطن مع بداية العام الحالي،مما يشير الى تسارع وتواصل عدد المستفيدين الفلسطينيين من الخدمة، مع الاخذ في الاعتبار عدم شمول الاحصاءات للمستخدمين الفلسطينيين خارج الوطن، الأمر الذي يضعنا في موقع متقدم من بين الدول المستخدمة للفضاء الالكتروني قياسا بعدد السكان.
لعبت منصات الاعلام الاجتماعي دورا مفصليا، بدءا من حقبة تونس ومصر، في تسخين التفاعل الجماهيري مع الحدث، وساهم في تسريع وصول المعلومات وتعميمها لتوسيع المشاركة في الفعاليات الاحتجاجية، الأمر الذي ساهم في حسم الموقف على الأرض والهدف المباشر بإسقاط الأنظمة على يد الحشود المليونية في ساحات وميادين التغيير. وعلى الرغم من استمرار أهمية وتأثير الاعلام الاجتماعي على اثارة الوعي وتفعيل المشاركة في حسم القضايا التي يجري عليها الصراع، الا ان النتائج الواقعية لا يتم حسمها الا في ميدان المشاركة المباشرة في ميادين التأثير وليس عبر الأثير..
الآليات وأشكال الاتصال تتغير وفقا لتطورات الواقع، بينما دور الشعب الخالد يبقى خالدا بامتلاكه الكلمة النهائية والحاسمة في نهاية المطاف. وعليه فقد انتقلت الجماهير في بعض الدول العربية، الى مربع جديد لحسم القضايا التي لم تُحسم بالضربة القاضية على النظام، لكونها تحتاج الى ميزان قوى جديد تملك الجماهير مفتاح حسمه.
وفي العودة الى فلسطين، فقد تقلب فيها النضال الجماهيري في الستين سنة الماضية من عمر الثورة المعاصرة انسجاما مع تقلبات المراحل المتتالية، والذي تكرس خلالها نموذج المدرسة الفلسطينية للنضال الشعبي الذي تستورده سائر الشعوب وتقتبس منه. حيث قام الشباب الفلسطيني بالتطوع بكثافة للعبور من الحدود العربية لتحرير فلسطين بعد حرب عام 1967.. وفي مرحلة أخرى مارس بزخم الشباب من الجنسين الاشتباك مع جيش الاحتلال في ميادين الانتفاضة الأولى، وكذلك فعلوا خلال الانتفاضة الثانية وبأشكال أكثر تفانيا وتضحية وبأعداد غفيرة على حدود المدن للدفاع عن المشروع الوطني.
في المرحلة الحالية يبدو أن النضال الافتراضي في الفضاء الأثيري هو الأثير لدى شعبنا، لاظهار حرارة التفاعل مع الحدث وفي بثّ الرؤى والمواقف السياسية والاجتماعية العابرة للأثير بديلا عن ترجمتها وبثها على أرض الواقع. حيث يتمترسون ويرفعون شعاراتهم ومواقفهم في المعارك الوطنية لإدانة الاحتلال وانتهاكاته، وقد احتدمت المعركة "الفيسبوكية" خلال اضراب الامعاء الخاوية لإظهار التضامن مع الاسرى وأهاليهم من جانب، ولاسقاط واجب المشاركة في الفعاليات وأمّ الخيام..
ان الخلفيات والاسباب التي أدت الى نكوص المشاركة العامة لدى الفلسطينيين مستوعبة ومستخلصة، والتي يقف على رأسها استهداف المسؤولين لاستثمار الفعاليات الجماهيرية لغايةالوصول للمنصة والميكروفون. كما أن الفجوة القائمة بين السياسيين والمجتمع تتسع على غيرصعيد،من بينهاعدم استيعاب السياسيين لطبيعة التغيرات والتحولات على رؤى ومواقف الأفراد والجماعات، التي ساهمت الثورة المعلوماتية في صنعها وخلقها لمساحات من الحرية يصعب تحديدها أو قمعها.
مع تقديري العميق لدور الاعلام الاجتماعي في تعميم الوعي بالحدث، وفي إثراء التواصل الانساني وتقريب الاماكن المتباعدة مكانيا، لكن الفائدةلا تمنع نقد الاكتفاء به كوسيلة وحيدة للتعبير أو اعتباره بديلا عن المشاركة الجماهيرية، ولا أن يحل مكان المشاركة في الخيام التضامنية مع أهالي الأسرى أو في مناهضة الاحتلال.
وعلى الرغم من كون الحركة قد أدهشت الاحتلال وقهرته وأغاظته لكونها عبرت عن كراهية شعوب المنطقة له وتؤشر إلى عزلته، لكنها لم تشف غليل الاسرى ولم تطفئ نار أهاليهم..عدا عن انها لا تساهم في التغييّر ولا تضغط باتجاه الاصلاح الداخلي..وينبغي على أصحابه عدم الشعور بالرضى عن الذات كالذي كفى ووفّى بما عليه اتجاه فلسطينيته ولم تكفه شر القتال..!
