وقفة مع جنبلاط و"أبطاله" ومنطلقاته الطائفية

single

جنبلاط خلال لقائه الأسد في دمشق، هذا الأسبوع

 

كمال جنبلاط لم يكن زعيم طائفة فقط، مثلما هو حال ابنه الآن في لبنان، بل كان زعيماً وطنياً آمن بمبادئ الاشتراكية والديمقراطية ودعا لإلغاء الطائفية السياسية وعمل على اندماج الطائفة الدرزية في المجتمع اللبناني على أسس ديمقراطية حقيقية. وكان الحزب التقدمي الاشتراكي الذي أسسه كمال جنبلاط حزباً وطنياً لبنانياً ضم شخصيات من عدة طوائف من مسيحيين ومسلمين، ما زال بعضهم موجود في الحزب إلى اليوم، لكن بقوة الاستمرار لا أكثر. ولم تكن صدفة أن كمال جنبلاط حاز على وسام لينين من الاتحاد السوفياتي، فالاتحاد السوفياتي لم يكرّم طوال سنوات وجوده الأفكار الانعزالية أو الرجعية.


الشيوعيون اللبنانيون لم يفقدوا صوابهم حتى في أحلك الأوقات وعضّوا على جراحهم ولم يتخذوا مواقف متشنجة ضد سورية، مثلما فعل جنبلاط، وظلوا يقفون إلى جانبها في معركة التصدي للمخططات الإمبريالية والأطماع التوسعية الإسرائيلية

 

قام زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني وليد جنبلاط أمس الأول الأربعاء بزيارة مهمة إلى سورية لها دلالات سياسية عميقة بالنسبة لاصطفاف القوى الوطنية في المنطقة جنباً إلى جنب في مواجهة القوى الرجعية المتحالفة مع الإمبرالية الأميركية والغرب. فتحالف جنبلاط - خلال العقد الأخير على الأقل - مع القوى الانعزالية والرجعية في لبنان، ألحق أضراراً بالغة بالمصالح الوطنية للشعب اللبناني وبالحركة الوطنية العربية في شكل عام. ورغم الفرحة بعودة جنبلاط إلى الصف الوطني، ينبغي التأكيد على أن نجاح هذه الخطوة مرهون بتوقف هذا الزعيم اللبناني عن اتخاذ مواقفه السياسية على أساس طائفي وانعزالي. فنشاطه الطائفي ليس مقتصراً على الساحة اللبنانية، بل تعداه إلى ساحات أخرى خارج لبنان وبالذات لدى الفلسطينيين الذين ما زالوا مقيمين على أرضهم منذ عام 1948.
ففي وقت سابق من الشهر الحالي أجرى جنبلاط مقابلة تلفزيونية مع قناة "الجزيرة"، تحدث فيها مباشرة عن التجنيد الإجباري للدروز في إسرائيل وخص بالذكر النائب عن حزب التجمع في الكنيست سعيد نفاع وعرّفه على أنه رئيس حزب التجمع. وعندما تدخل مُعِدّ البرنامج غسان بن جدو، الذي أجرى المقابلة، وصحح جنبلاط بأن نفاع ليس رئيس حزب التجمع، وأن رئيسه هو عزمي بشارة، لم يأبه جنبلاط بما قاله بن جدو وأكد مجدداً أن "نفاع البطل هو رئيس الحزب".
لأول وهلة يتبادر إلى الذهن أن جنبلاط غير مطلع على تركيبة حزب التجمع ويجهل من هو رئيس الحزب اليوم، بعد فرار عزمي بشارة إلى الخارج. لكن جنبلاط في الواقع يعرف عزمي بشارة وسعيد نفاع جيداً وهو على الأغلب مطلع على تركيبة حزب التجمع، ومهتم بها على ما يبدو بشكل خاص، وعلى الصراعات الداخلية القائمة داخل الحزب، خاصة حول مسألة الاتفاق الداخلي بين أعضائه على تدوير المقاعد البرلمانية الخاصة بهم، إذ من المفروض، بموجب التجمع، أن يتنازل سعيد نفاع عن مقعده لصالح مرشح آخر في قائمة التجمع الانتخابية. وعلى الأرجح أن جنبلاط وجد في تلك المقابلة فرصة يمكن من خلالها دعم نفاع في معركة الحفاظ على المقعد، لا لشيء سوى أن نفاع ينتمي إلى الطائفة العربية الدرزية.
فمثل هذا الموقف ليس غريباً إذا كان جنبلاط يعمل في السياسة من منطلقات طائفية ضيقة ويضع المصلحة الطائفية فوق المصلحة الوطنية التي من أبسط مبادئها الحفاظ على أكبر قدر من الديمقراطية في العمل السياسي. فموقف جنبلاط من الصراعات داخل التجمع مسألة، وإن كانت تعنينا جميعاً لما فيها من تدخل خارجي في شؤون الفلسطينيين في إسرائيل، فهي تعني في المقام الأول حزب التجمع. فالتدخل الخارجي في شؤون التجمع شأن خاص به، رضي به من ليسوا أعضاء في الحزب أم أبوا. لكن ما يعنينا جميعاً في ما قاله جنبلاط في تلك المقابلة تدخله بشكل مريب في الشؤون الداخلية للعرب في إسرائيل والشعب الفلسطيني في شكل عام، على نحو لم يصدر عن زعيم سياسي عربي من قبل، وانحيازه إلى مجموعة سياسية معينة على نحو يهدد وحدة الصف الوطنية بدل تجميعها. فجنبلاط الذي أبدى اهتمامه بمناهضة التجنيد الإجباري للشباب الدروز في الجيش الإسرائيلي انحاز في هذه المسألة إلى جانب حزب التجمع في شكل واضح، وداس على الآخرين وبالأساس "لجنة المبادرة الدرزية" وقائمة طويلة من أبناء هذه الطائفة ممن رفضوا الخدمة الإجبارية من البداية في الخمسينات الماضية وإلى اليوم أمثال نايف سليم، الذي كان أول درزي يرفض الخدمة الإجبارية، وسميح القاسم ومحمد نفاع وغيرهم من الأبطال الحقيقيين الذين رفضوا الخدمة العسكرية وعانوا الكثير جراء رفضهم لها.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يفعل فيها جنبلاط ذلك، بل حاول في الماضي الولوج من نفس المنفذ إلى الساحة العربية داخل إسرائيل واجتمع مع عزمي بشارة أكثر من مرة وبحث معه موضوع التجنيد الإجباري للدروز في الجيش الإسرائيلي. فهذا الموضوع يجب أن يسترعي انتباه جميع الوطنيين الفلسطينيين والعرب ويدفعهم إلى العمل بشكل سليم ومدروس على مساعدة الشعب الفلسطيني الذي ابتلي في أعقاب النكبة التي حلت به عام 1948 بمحاولة الحركة الصهيونية الاستفراد بالبقية الباقية منه على أرضها وانتزاع طائفة بأكملها من حضنه، ضمن سياسة "فرّق تسد" لتفتيت تركيبته الاجتماعية، من دون أن يكون قادراً على مواجهة هذه الضربة الأليمة. فمن يعتقد أن تجنيد الدروز في الجيش الإسرائيلي مسألة طائفية فحسب يرتكب خطأ فادحاً، ومن يعتقد أن تصحيح هذا الخلل شأن طائفي يخص الدروز وحدهم يرتكب خطأ مضاعفاً.
فجنبلاط لا يخفي منطلقاته الطائفية في التعامل مع الدروز الفلسطينيين، وأصبح واضحاً أنه حاول في الماضي استخدامهم كورقة لدعم موقعه في التعامل مع المخططات الأجنبية التي رُسمت وما زالت تُرْسَم لتقسيم المنطقة إلى دويلات أو كيانات طائفية أو عرقية، وفقاً للتصور الذي وضعه ثيودور هرتسل، مؤسس الحركة الصهيونية، الذي رأى في كتابه "البلاد القديمة الجديدة" أنه، من أجل أن يكتسب مشروع إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين الشرعية الضرورية، يجب تفتيت المنطقة إلى دويلات للأقليات الدينية والعرقية. وهو المبدأ ذاته الذي تقوم عليه سياسة إسرائيل نحو لبنان حتى الآن ودعمها للتيار الإنعزالي الماروني فيه. جنبلاط كان يحاول استخدام الدروز الفلسطينيين لدعم موقفه في التعامل مع سورية.
فمنذ تسلم هذا الزعيم اللبناني المتقلب المزاج والمواقف قيادة الحزب الذي أسسه والده الزعيم الوطني كمال جنبلاط، انخرط وليد تدريجياً في اللعبة الطائفية في لبنان وأصبحت تحركاته مدموغة بهذا الطابع الانعزالي الرجعي، الذي يخدم مصالح المعنيين بتفتيت الوحدة الوطنية للشعب اللبناني وشعوب البلدان المحيطة بلبنان. وانحدر تدريجياً إلى مستويات غير مسبوقة في التنسيق مع الإمبريالية الأميركية ومخططاتها في المنطقة، مما جعله يلوم الرئيس الأميركي جورج بوش على عدم ضرب سورية، تماماً مثلما ضرب العراق عام 2003، طمعاً في أن يؤدي ضرب سورية ليس فقط لإسقاط نظام الحكم فيها، بل لتفتيتها إلى دويلات تتناسب مع الطموحات الطائفية لجنبلاط. والملفت للنظر أن جنبلاط لم يفعل ذلك من منطلق طائفي فقط، بل ثأراً لمقتل والده، على نحو يعيدنا إلى العصر الجاهلي ويذكرنا بعهود الأخذ بالثأر كتقليد يحكم تصرفات الأفراد والجماعات.

 

* الحزب الذي أسسه كمال جنبلاط ضمّ شخصيات من عدة طوائف *


كان اغتيال كمال جنبلاط عام 1975 ضربة قاصمة للحركتين الوطنيتين اللبنانية والفلسطينية. ومهما كان الطرف الذي وقف وراء عملية الاغتيال، فالهدف من العملية لم يكن بالأساس النيل من الطائفة الدرزية في لبنان، بل ضرب الحركة الوطنية اللبنانية ككل وحليفتها الثورة الفلسطينية. فكمال جنبلاط لم يكن زعيم طائفة فقط، مثلما هو حال ابنه الآن في لبنان، بل كان زعيماً وطنياً آمن بمبادئ الاشتراكية والديمقراطية ودعا لإلغاء الطائفية السياسية وعمل على اندماج الطائفة الدرزية في المجتمع اللبناني على أسس ديمقراطية حقيقية. وكان الحزب التقدمي الاشتراكي الذي أسسه كمال جنبلاط حزباً وطنياً لبنانياً ضم شخصيات من عدة طوائف من مسيحيين ومسلمين، ما زال بعضهم موجود في الحزب إلى اليوم، لكن بقوة الاستمرار لا أكثر. ولم تكن صدفة أن كمال جنبلاط حاز على وسام لينين من الاتحاد السوفياتي، فالاتحاد السوفياتي لم يكرّم طوال سنوات وجوده الأفكار الانعزالية أو الرجعية.
غير أن ظروف الحرب الأهلية التي كان يمر بها لبنان حالت دون تمكن الحزب التقدمي الاشتراكي من اختيار زعيم له على أساس ديقراطي، خلفاً لكمال جنبلاط، ولجأ إلى سد الفراغ بسرعة وبشكل غلب عليه الطابع العاطفي، وذلك عن طريق توريث زعامة الحزب لابنه وليد، في خطوة نسفت كل المبادئ التي قام عليها الحزب ونادى بها في السنوات السابقة، وجعلت منه مؤسسة ذات نظام شبيه تماماً بأنظمة الحكم الملكية، وها هي التقارير الصحفية الأخيرة تتحدث عن أن وليد سيورث قيادة الحزب لابنه تيمور.
وأدى هذا الانحراف إلى انكفاء ملحوظ في الدور السياسي للحزب الذي أخذ يبتعد تدريجياً عن الحركة الوطنية ويصبح حزباً طائفياً وينخرط في النشاط الانعزالي للقوى الطائفية والرجعية الأخرى المسيحية والإسلامية في لبنان. فرغم أن جنبلاط حاول التلويح بأنه غيّر موقفه من سورية دفاعاً عن استقلال لبنان، إلا أن دوافع الثأر القبلية ظلت بارزة لديه، فوليد لم يخف أبداً أنه يسعى للانتقام من سورية لمقتل والده. وينبغي الإشارة في هذا الخصوص إلى أن الحزب الشيوعي اللبناني، الذي شكّل وما زال يشكل عنصراً مهماً في الحركة الوطنية اللبنانية، لم يتوقف عن مطالبة سورية بالانسحاب من لبنان إلى حين خروجها منه بعد مقتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري عام 2005، لكن الشيوعيين اللبنانيين لم يفقدوا صوابهم حتى في أحلك الأوقات وعضوا على جراحهم ولم يتخذوا مواقف متشنجة ضد سورية، مثلما فعل جنبلاط، وظلوا يقفون إلى جانبها في معركة التصدي للمخططات الإمبريالية والأطماع التوسعية الإسرائيلية.
وشاءت الظروف أن فشلت المخططات الإمبريالية الأميركية في لبنان بعد الهزيمة التي مُنيت بها إسرائيل في حرب تموز 2006، مما دفعها إلى التخلي عن حلفائها اللبنانيين ومن ضمنهم جنبلاط، حفاظاً على مصالحها. فغيّرت واشنطن موقفها من دمشق وتبعها في ذلك حلفاؤها اللبنانيون. فعندما سُئل جنبلاط في شباط الماضي لماذا تأخرت زيارته إلى سورية، فيما سبقه إليها رئيس الوزراء اللبناني سعدالدين الحريري، جاء رده ينضح بالطائفية، إذ قال: "إذا كانت للرئيس الحريري واسطة أكبر مني في الذهاب إلى هناك، فهذا شأن آخر. ليست عندي واسطة مثله، فأنا أمثّل أقلية، لكن لها حيثية. صحيح أن طائفتي، وكذلك المسيحيين على أبواب الإنقراض، لكنها تبقى ذات حيثية في جبل لبنان، وكذلك في جبل الدروز مع أنني أفضل تسميته جبل العرب". وتساءل: "هل يريدون ذهاب وليد جنبلاط إلى سورية وحيداً أم مع طائفته؟ إذا كانوا يريدونه مع طائفته، فعندئذ لا بد من احترام كرامتها". وقال: "لا أوجّه كلامي إلى السيّد حسن نصر الله، بل إلى مصدر مجهول، لقد سمعت من السيّد حسن أنه يريد كرامة الدروز. أنا أعرف أنه لن يستفيد من ذهابي إلى هناك وحدي، ولا السوريون يستفيدون من ذهابي وحدي إليهم".
فجنبلاط أراد الذهاب إلى سورية كزعيم لطائفة أو أقلية دينية، وليس زعيماً وطنياً، ومن الواضح أنه سعى لإقناع السوريين بأنه زعيم للطائفة الدرزية في المنطقة وليس في لبنان فقط، بغض النظر عمّا إذا نجح في مسعاه أم فشل. لذلك كان لا بد من ركوبه على ظهر الطائفة الدرزية في إسرائيل، على الأقل، في انعدام قدرته على الركوب على ظهر الطائفتين الدرزيتين في سورية والأردن. فدروز سورية مندمجون تاريخياً في الحركة الوطنية، بل كانوا في عهد سلطان باشا الأطرش في طليعتها، وهم يشاركون مع أبناء الطوائف الأخرى مشاركة فعالة في الحياة السياسية في البلد من خلال الأحزاب الوطنية المتعددة هناك وليس على أساس طائفي أو إنعزالي. أما في الأردن، فرغم أن عدد الدروز فيه قليل نسبياً في حدود 18 ألف نسمة، إلا أن السلطات الأردنية التي في ظروف الانقسام الحاصل في الشارع العربي لا تقف في الصف المعادي لسورية، يبدو أنها تنبهت لمرامي جنبلاط من تحركاته الطائفية فرفضت مساعدته في مسعاه للتقرب من دمشق وحالت دون ركوبه على ظهر الدروز الأردنيين لهذا الغرض، وبعد أن وافقت له على عقد لقاءاته الطائفية في الأردن، تراجعت ومنعته أخيراً من عقد لقاءاته مع سعيد نفاع ومجموعته من الدروز الفلسطينيين في عمان، مما اضطره إلى ترتيب عقد اللقاء في قبرص.
لذلك لم يبق أمام جنبلاط سوى الدروز الفلسطنيين. ولكي يركب على ظهر الطائفة الدرزية في إسرائيل بشكل جيد، من دون أن يجلب لنفسه المتاعب مع العرب الذين يرفضون التطبيع مع إسرائيل ويتم وضعه في خانة المطبعين، استخدم جنبلاط الأسلوب السوري المجرب في التطبيع غير المباشر، إذا جاز التعبير، مع إسرائيل، أي تقريبهم لعزمي بشارة عندما كان عضواً في الكنيست الإسرائيلي وحزب التجمع. فجنبلاط يعرف أنه ليس قادراً على الركوب فوق ظهر الوطنيين الدروز ومن ضمنهم الشيوعيين. فهم، على عكس عزمي بشارة، وقفوا بكل وضوح إلى جانب سورية والقوى الوطنية في لبنان ولم يقيموا علاقات مع جنبلاط وحلفائه الانعزاليين، مثلما فعل بشارة الذي، إلى جانب زياراته إلى دمشق، لم ينقطع عن زيارة رموز المعسكر الانعزالي الموالي للغرب في لبنان، ومن ضمنهم جنبلاط والبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، وذلك في عز تآمر رموز هذا المعسكر على سورية والحركة والوطنية اللبنانية وحزب الله.
كان جنبلاط حريصاً في التعامل مع الدروز الفلسطينيين، خوفاً من أن يتهمه البعض بأنه يسعى إلى التطبيع مع إسرائيل فيزيد تأزيم مشاكله الشخصية والحزبية. وكان يدرك منذ البداية أن السبيل الوحيد للوصول إلى هذه المجموعة من الدروز يجب أن يتم عن طريق طرف مضمون يحميه من الشبهات، وله كل الحق في ذلك. فبادر منذ بضع سنوات إلى إجراء اتصالات في شكل انتقائي مع بعض الرموز الوطنية للطائفة الدرزية بمساعدة عزمي بشارة. إذ لم يكن سراً أن بشارة يتمتع بحظوة لدى الدوائر الرسمية السورية. فالسوريون غير قادرين على اتهام جنبلاط بأنه يقيم علاقات مشبوهة مع أطراف في إسرائيل، إذ أن هذه العلاقات هي مع الطرف الذي استخدمه السوريون من قبل للتطبيع على طريقتهم الخاصة مع إسرائيل.
منذ البداية، تنبه الوطنيون من الدروز الفلسطينيين إلى خطورة التحرك الذي بدأه جنبلاط، لأنهم لاحظوا أن الاجتماع الأول، الذي عقده جنبلاط في عمان عام 2001 مع مجموعة "المعروفيين الأحرار" برئاسة سعيد نفاع، اقتصر على المقربين من عزمي بشارة وحزب التجمع. ومع أن الوطنيين الدروز ومن ضمنهم الشاعر سميح القاسم لم يعارضوا تحرك جنبلاط وباركوه في حينه واعتبروه أنه يصب في خدمة أهدافهم الوطنية، إلا أنهم انزعجوا من الطريقة الانتقائية أو الإقصائية التي تم بها عقد اللقاء. لذلك طلبت "لجنة المبادرة الدرزية"، التي ينضوي تحت لوائها غالبية الدروز الوطنيين الذين يعارضون الخدمة الإجبارية في الجيش الإسرائيلي، عقد لقاء مع جنبلاط لبحث الموضوع. فأوفد جنبلاط إلى الأردن ممثلاً عنه التقى بوفد عن "لجنة المبادرة الدرزية"، فاستمع لموقفهم ولاعتراضهم على الطريقة الانتقائية التي تم بها تنظيم اللقاء الأول التي من شأنها تفتيت وحدة صف أبناء الطائفة، بدلاً من تجميعهم. غير أن جنبلاط الذي كان يدرك من البداية أن الهدف الأساس من لقائه بالدروز الفلسطينيين ليس توحيد صفوفهم من أجل مصالحهم الوطنية، بل لغرض آخر في نفسه، لم يأبه لهذا الاعتراض.
واستمرت علاقة جنبلاط بعزمي بشارة وحزب التجمع قائمة حتى الآن. واغتبط بشارة بمبادرة جنبلاط واحتفل مع حزب التجمع بهذه العلاقة على أمل أن تساعد الحزب في كسب المزيد من أصوات الدروز. ولم ينتبه جنبلاط إلى أو أنه لم يهتم بأنه عزل نفسه عن القاعدة العريضة للدروز الفلسطينيين الذين يُقدّر عددهم بحوالي 120 ألف نسمة وحشر نفسه في زاوية حزب التجمع الضيقة. وتجاهل جنبلاط الوطنيين الدروز وعلى رأسهم الشيوعيين ودورهم في رفض التجنيد الإجباري والتضحيات الجسيمة التي قدّموها خدمة لهذا الغرض. بل أنه في انحيازه إلى التجمع، أسهم جنبلاط ويسهم في تفريق وحدة الصف العربية داخل إسرائيل وحتى داخل الطائفة التي يتظاهر بأنه حريص عليها وذهب إلى سورية للتحدث باسمها.
إن الوقوف إلى جانب سورية في المرحلة الحالية واجب كل الوطنيين العرب، ولا حاجة لمن يقف في صفها إلى مرتكزات طائفية أو حزبية ضيقة. ومن المؤكد أن الوطنيين من الدروز الفلسطينيين سيفرحون مثلهم مثل أبناء شعبهم بانتقال جنبلاط من صف الإمبريالية والقوى الانعزالية في لبنان إلى صف سورية، فجنبلاط وقف في الماضي إلى جانب سورية ولم يكن بحاجة في حينه إلى الدروز الفلسطينيين وإخوانهم في الأردن وسورية ليوصلوه إلى دمشق.
فإلى جانب ترحيبنا بعودته إلى الصف الوطني، فليسمح لنا جنبلاط أن نقول له أن الدروز في إسرائيل جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني وبالتالي هم جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، وتجنيد أبنائهم في الجيش الإسرائيلي مشكلة خاصة بالشعب الفلسطيني قبل أن تكون مشكلة عربية، ويعرف الشعب الفلسطيني كيف يحلها بالتعاون مع كل الأطراف الوطنية للشعب الفلسطيني وداخل الطائفة الدرزية من دون الانحياز إلى طرف دون آخر. فالشعب الفلسطيني بالتأكيد يعارض أي تدخل خارجي في شؤونه الداخلية إن لم يكن ذلك على أسس وطنية سليمة، تماماً مثلما لجنبلاط وأي لبناني الحق في معارضة التدخلات الخارجية في لبنان. فحل هذه المشكلة ينبغي أن يكون على أسس وطنية لا على أسس طائفية، إذ أن المشكلة ليست مقتصرة على الدروز وحدهم، فإلى جانبهم هناك عدد موازٍ من المسلمين والمسيحيين الذين تجندوا طوعاً في صفوف الجيش الإسرائيلي ولم يجبرهم أحد على ذلك مثلما هو حاصل مع الدروز. فجنبلاط يشعر بأنه محرج من انخراط أبناء الطائفة الدرزية في الجيش الإسرائيلي فقط لأنه درزي وليس على أساس وطني أو قومي. فمن غير المفهوم لماذا على جنبلاط اللبناني أن يشعر بالحرج من فلسطيني يتجند في الجيش الإسرائيلي ولا يشعر بحرج من التعامل مع الإمبريالية الأميركية أو عملاء مفضوحين لها في لبنان؟ أو لماذا يشعر جنبلاط بالحرج من تجنيد الدروز في الجيش الإسرائيلي ولا يشعر بحرج من تجند العرب الآخرين من المسلمين والمسيحيين في هذا الجيش؟ وهل كان جنبلاط سيتحرك لو أن الذين يتجندون في الجيش الإسرائيلي كانوا فقط من المسلمين والمسيحيين؟ أم أنه سيكون غير مهتم حتى لو تجند في هذا الجيش جميع الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين في إسرائيل بلا استثناء؟
هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى، هل نسي جنبلاط جيش لبنان الجنوبي، الذي نجحت إسرائيل في تشكيله؟ وماذا فعل جنبلاط لكي ينهزم هذا الجيش وتندحر إسرائيل برمتها من جنوب لبنان؟ إننا نقول لمن يلومون الدروز الفلسطينيين على خدمتهم في الجيش الإسرائيلي، أن ينظروا أولاً إلى الشوك في عيونهم. بل يمكننا كفلسطينيين أن نؤكد لجنبلاط ومن حوله أنه لا داعي للخجل من الدروز الفلسطينيين، فرغم 60 عاماً من الخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش الإسرائيلي، ما زالوا رافعين هامتهم الوطنية ويتصدرون معارك شعبهم السياسية وضحّوا بأرواحهم ودمائهم دفاعاً عن حقوقهم القومية والمدنية ابتدءاً من شفاعمرو عام 1958 ويوم الأرض عام 1976 وشفاعمرو ثانية عام 2005، ناهيك عن دورهم في الحفاظ على تراثهم الوطني ومشاركتهم في النهضة الأدبية للشعب الفلسطيني عامة وأدب المقاومة في شكل خاص. أجل، إنها مشاركة تكيد العدى وتثلج قلوب الأصدقاء.
فالشعب الفلسطيني يجب أن يكون ممتناً لموقف جنبلاط الرافض لخدمة الدروز في الجيش الإسرائيلي، لكنه ليس ممتناً لدوره التخريبي على الساحة العربية داخل إسرائيل وداخل الطائفة الدرزية والمنحاز إلى جانب فئة منها دون الغالبية الوطنية الأخرى. فأي تدخل انتقائي وعلى أساس طائفي في شؤون الفلسطينيين مثلما يفعل جنبلاط يفتح المجال أمام تدخلات شبيهة من أطراف انعزالية إسلامية ومسيحية يرفضها الفلسطينيون وهم في غنى عنها.

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا تسمعوا أقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم

featured

الجِدار الإخباري الواقي

featured

كانوا ومازالوا معنا

featured

قتل من جهة مسؤولة

featured

الرفيق الشيوعي الراحل ابو البديع: تسعون عامًا من الكفاح المشرف

featured

الحرب على "داعش"

featured

بين الاداء والأدوات

featured

لوبي "جي ستريت" مقابل "ايباك"