زار بعض الشباب قرية الدامون ارض آبائهم وأجدادهم الأسبوع الماضي وبعد عودتهم اقترحوا ان ننظم زيارة مبيت فيها ليومين فكان الاقتراح بمثابة شرب الماء للهُيّام، وسرعان ما اجتمع حوالي 70 شخصًا تراوح أعمارهم من عدة أشهر حتى سبعة عقود ونيّف، منهم من ولد في مدينة طمرة العزيزة ومنهم من عاش طفولته وأول شبابه في الدامون. وهذه الفكرة فكرة الزيارة والمبيت نابعة من الإيمان بحق العودة الذي يحمله الجيل الصاعد هذا الحق الذي لا تنازل عنه ولا مساومة عليه، انه كالكريات الحمراء والبيضاء في دمنا وإحدى مكوناته وقبل هذا في الجينات، تنتقل من جيل إلى جيل بعزيمة وتصميم وقوة يومًا بعد يوم مهما طال الزمان.
في أثناء السهرة الجميلة التي امتدت حتى ظهر اليوم التالي تحدثنا وحدثونا عن تاريخ الدامون وعن حياة السكان التي سادتها المحبة والتعاون والبساطة والنوايا الحسنة.
تذكرت إحدى النساء بان الآنسة ريم ريّان سوف تتزوج، فبادرت إلى التعاون مع أخريات فقمن بتنظيم حفلة عرس بالأغاني الشعبية وصف السحجة والحناء والزغاريد والرقص، كمقدمة لعرسها الحقيقي في 10/ 5/2014، وكان هذا أول حفل عرس شكليٍ يقام على أراضي الدامون المهجرة لأي فتاة. ويحدونا الأمل بأن حفلات الأعراس الحقيقية سوف تكون بعد تحقيق حق العودة لتكون أفراحًا مضاعفة لكل إنسان مهجر.
تجولنا في هذه القرية وزرنا المقبرة الغربية وقرأنا الفاتحة على أرواح الموتى وكذلك الأمر للمقبرة الشرقية جارة مقبرة اخواننا المسيحيين الأعزاء الملاصقة لها وكأنهم (الموتى) يخاطبوننا بأننا جيران لا نفارق بعضنا البعض في الحياة وفي الموت، نحن عائلة واحدة تسودنا المحبة والمودة والوحدة التي لا يغلبها غلّاب وهي رسالتنا لكم أيها الأحياء، فتبنوها فإنها خير زاد للتقوى، لكم وللأجيال القادمة من بعدكم.
استقبلتنا عين ماء الدامون التي "جفت" مياهها "بقدرة قادر" وجفت دموع عينيها من كثرة البكاء على فراق أهل قريتها التي كانت تزودهم بمياه الشرب وسقي المواشي، وكانت ملتقى العشاق والمحبين حينما كانت النساء يحملن الجرار الفخارية الملأى بالماء على رؤوسهن بزاوية حادة ذهابًا وإيابا، هذه عين ماء الحياة التي سوف تعود عاجلا أم اجلا مع باقي عيون ماء القرى المهجرة التي أصابها ما أصاب عين الدامون لتعود الحياة بشكل عصري ومتطور "وجعلنا من الماء كل شيء حي" (قرآن كريم).
قال لي احد الأصدقاء: هل تصدق بان الدامون سترجع يومًا ما وتترك طمرة التي ولدت وعشت فيها؟ أجبته: بان كل مدينة وقرية في هذا الوطن هي وطني ولا يهمني أين اسكن، كل أبناء شعبنا طيبون وعشاق لهذا الوطن وأجبته أيضا: أنت تعرف بان الكرة الأرضية تدور ولا تتوقف عن الدوران وتدور حول نفسها كل 24 ساعة وتأتي بيوم جديد واحداث ومتغيرات جديدة في العالم ونحن جزءٌ من هذا العالم ولا يمكن فصلنا أو أن نفصل انفسنا عن هذه الاحداث، فهناك شعوب كثيرة ناضلت وكافحت عشرات السنين بل مئات حتى حصلت على حقوقها واستقلالها وهناك أيضا نظريات وقوانين لا يمكن تجاوزها، شئنا أم ابينا ولا بد لليل ان ينجلي ولا بد للقيد ان ينكسر، فالراية ُ تنتقل من جيل إلى جيل، هنا لنا ماضٍ وحاضرٌ ومستقبل (توفيق زياد). وأقول لك بان خير للإنسان انه يموت بالأمل على ان يعيش في اليأس، وكما يقول مثلنا العربي "الصباح طالع ان صاح الديك أو ما صاح".
فلن نغفر... ولن ننسى.
(طمرة)
