- "حماس" تدير سياسة تكبد الشعب تضحيات هائلة وتُقصّر عن جباية ما يعادلها؛ و"فتح" تدير سياسة تتوهم هي أنها تُقلص التضحيات فلا تجبي شيئاً. والانقسام الذي ساهمت الخيبات في تمكين مُحْدثيه من تعميقه جعل التفكير في أيّ إصلاح حرثاً في رمال لا ينبت فيها أيّ زرع. وإذا أريد للعمل الفلسطيني ان يستعيد نجاعته فلا بدّ من البدء بإلغاء هذا الانقسام، وبناء وحدة وطنية يفتح الطريق لتدارك ما يمكن تداركه
// لسنا إزاء فيلم يتكرر عرضه، كما حلا لكتاب إسرائيليين أن يصفوا هجوم جيشهم على غزّة. الصحيح أننا إزاء عدوان متصل الحلقات منذ ما زاد عن مائة سنة. وما يتكرر هو جرائم حرب، وهو جرائم ضد الإنسانية. وهذه الجرائم لا تُقترف في معرض أيّ دفاع عن النفس، بل في معرض منع الشعب الفلسطيني من الدفاع عن نفسه، وفي معرض جهد إسرائيل للاحتفاظ بما نهبته حتى الآن والتوسع في النهب. ولئن حملت كل واحدة من حلقات هذا العدوان السمات التي تتكرر فيها جميعها، فمما لا شك فيه أن لكل حلقة سماتٍ خاصةً بها، أيضا. وهذه السمات، المتواتر منها والطارئ، قبيحة جميعها.
الهجوم المطَّرد على غزة جرى الإعداد له ليكون أقسى هجوم ولتجبي إسرائيل به أوسع النتائج. وقد حصلت حكومة إسرائيل، كما في كل مرّة سابقة، على الإذن الأميركي. وجاء هذا الإذن، هذه المرة، سافر الدلالة: لإسرائيل أن تفعل ما يلزمها لتملي بقوّة العدوان العسكري ما ترى ضرورة إملائه، ولها أن تأخذ ما يلزمها من الوقت.
لم تتهيب الإدارة الأميركية، مانحة هذا الإذن المفتوح، مواجهة أي رد فعل عربي، لا من حكام العرب القدماء ولا من الحكام الذين استجدّوا. وأطراف الممانعة، الأصلاء من هؤلاء والأدعياء، منهمكون في دفاع مستميت عن أنفسهم إزاء هجمات تُسهم الإدارة الأميركية ذاتها ومعها حكام التبعية في إشغالهم بها. عدم التهيب، الذي بلغ هذه المرة درجة غير مسبوقة، يُظهر مقدار ما صار للدولة العظمى التي تشد على أيدي المعتدين الإسرائيليين من هيمنة على حكام العرب.
وواضح أن الإدارة الأميركية تملك ما يكفي من الثقة بأن ردود فعل الحكام المستجدين لن تختلف في الجوهر عن ردود فعل أسلافهم، وإذا اختلفت ففي المظهر وحده، أو في درجة القدرة على مخادعة الجمهور العربي الساخط على الجميع. وها نحن نشهد تدخلا عربيًا رسميًا من ثلاثة أنواع: تدخل العاجز الذي يبيع الضحايا كلاماً ومظاهر تأييد، ولا يجرؤ على تحدّي الإدارة الأميركية، ما دام وجوده في الحكم واستمراره فيه مرهونين لرضاها عنه؛ وتدخل المثبّط الذي يحثّ الضحايا على الإستكانة لإملاءات الأمر الواقع؛ وتدخل المرتاحين لما يجري، حيث تقوم إسرائيل بتطويع المعتدلين من الفلسطينيين والمتشدِّدين وتُعفي حكام التبعية من القيام بما هو محرج لهم، مما توجب عليهم تبعيتُهم أن يقوموا به.
الحال الإسرائيلي المعجون عجناً بشتى أنواع الطمع لن يتبدل، وإذا تبدل فنحو الأسوأ؛ ومثله الحال الأميركي المحتاج في نحو متزايد لخدمات الطماعين الإسرائيليين. والحال العربي بوجهيه، المثبّط وغير المسعف، لن يتبدل هو الآخر في وقت وشيك. وسوء هذا الحال يتفاقم منذ كفّ الفلسطينيون عن سعيهم لتبديله وتفرقوا بين ممالئ لهذا الفريق من الحكام وممالئ لفريق آخر. وإذا تبدل حال الحكام العرب فالمرجَّح أن يطَّرد التعويل على الولايات المتحدة وتشتد التبعية لها، فتشتد الإستكانة إزاء إسرائيل أو الهرولة نحوها.
وإذاً؟ إذاً التي توجز سؤالا كبيراً يَجْبه المعنيين بالأمر من الفلسطينيين كل مرة، فيحتارون في الإجابة عليه، لها إجابة واحدة ناجعة: إعادة الاعتبار إلى نهج التعويل على النفس، ومراكمة القوة التي ترغم حكام العرب، إرغاماً، على أخذ حاجات الشعب الفلسطيني في اعتبارهم والخوف من مغبّة إهمالها. وهذا يقتضي، أول ما يقتضي، نبذ الأوهام، كل الأوهام، وإتقان الحسابات، كل الحسابات، وصياغة السياسات الصائبة في كل مجال. وحين يُعاد الاعتبار إلى مبدأ التعويل على النفس، فسيتوفر الشرط الذي يأذن بتنمية القدرات الذاتية، المادية والروحية، وهو ذاته الشرط الذي سيسوغ التضحيات الهائلة التي يتكبدها الفلسطينيون والذي سيجنّد هذه التضحيات في تحقيق ما هو مفيد.
وحين يُراد للكلام ان يُسمي الأشياء بأسمائها، فينبغي القول إن أطراف العمل الفلسطيني ضد العدوان الإسرائيلي مقصرة جميعها، ليس في الفعل وحده، بل في الفهم أيضاً. فـ"حماس" تدير سياسة تكبد الشعب تضحيات هائلة وتُقصّر عن جباية ما يعادلها؛ و"فتح" تدير سياسة تتوهم هي أنها تُقلص التضحيات فلا تجبي شيئاً. والانقسام الذي ساهمت الخيبات في تمكين مُحْدثيه من تعميقه جعل التفكير في أيّ إصلاح حرثاً في رمال لا ينبت فيها أيّ زرع. وإذا أريد للعمل الفلسطيني ان يستعيد نجاعته فلا بدّ من البدء بإلغاء هذا الانقسام، وبناء وحدة وطنية يفتح الطريق لتدارك ما يمكن تداركه. والوحدة الوطنية لن تقوم، وإذا أقامتها موجات عاطفية فلن تستقر، إلا إذا بُنيت على برنامج سياسي متوافق عليه من الجميع. بكلمات أخرى: لن تُبنى وحدة وطنية ناجعة ومستقرة، لا على برنامج "حماس" وحده، ولا على برنامج "فتح" وحده، ولا على برنامج أيّ فصيل وحده، بل على البرنامج الذي يتوافق هؤلاء جميعاً عليه.
ومما لا شك فيه أن العملَ ضد الاحتلال الإسرائيلي للضفة والقطاع كليهما، واستهدافَ طرد المحتلين منهما، وإقامة دولة مستقلة خاصة بالشعب الفلسطيني، تُشكل بنوداً يمكن قبولها من الأطراف جميعها، إذا اتفقت هذه الأطراف على التنسيق بين أشكال الكفاح التي يُركّز طرفٌ الآن على بعضها ويركّز طرفٌ على بعضها الآخر.
وإلى أن يتحقق هذا، وهو ما لن يتحقق بسهولة، تبقى الحاجة إلى الثبات في مواجهة العدوان الإسرائيلي، والى هذا القدر من التنسيق بين الأطراف التي تواجه الاحتلال.
وأمام الجميع اختبار جديد، فإسرائيل المعوِّلة على وجود الانقسام وضعت مطلباً جديداً: أن تُسلِّم فصائل العمل المسلح ما في حوزتها من أسلحة، أيّ أن تُشهر هذه الفصائل استسلامها وتتخلّى عن النهج الذي شكَّل قوام برنامجها وجلب لها التأييد والشهرة اللذين تتمتع بها. فما الذي سيكون عليه موقف الطرف الآخر الذي وجد فيه من يعوِّلون على الكفاح السياسي ويرون أن ممارسة العمل المسلح ضارّة بالفلسطينيين؟ في مقابل هذا، ما الذي سيتطور إليه موقف "حماس" من التوجه الفلسطيني إلى الأمم المتحدة، وهي التي أظهرت استهانة دائمة بالكفاح السياسي وعارضت هذا التوجه، مع أن الانتقال إلى الكفاح السياسي وحده شكَّل، منذ رحيل ياسر عرفات، قوام برنامج "فتح" ومن يؤيدونها؟
الإجابتان اللتان سيظهرهما هذا الاختبار هما اللتان ستحددان مدى الفرصة المتوفرة أو الغائبة لبناء الوحدة الوطنية الفلسطينية.
