بـعـيـدًا عـن الـتـردُّد والامـتـنـاع...

single

(رسالـة علنيّـة مباشرة ثالثـة إلى نـاخبين ومنتخَـبين محتمَـلين)

ما كنت راغبًا في أن أكتب هذا الكلام. بعض ما أقوله شِفاهًا أجدني أتردّدُ في كتابته إلى حدّ الامتناع؛ فجرأتي وشجاعتي وصراحتي ليست حالة من التكامل والتمام. أهو من قبيل الجرأة والشجاعة والصراحة أن أعترف بمحدوديّة جرأتي وشجاعتي وصراحتي؟ يا ليته كذلك!
لأسباب قد لا تهمّ أحدًا سواي، ها أنا -بما سأسوقه في ما يلي- سأعاندُ تردُّدي وامتناعي...

 

طَـلَـبٌ


آملُ، بل أطلب بإلحاح واقتناع، ألاّ يقوم أيّ من المرشَّحين في انتخابات السلطة المحلّيّة القادمة في عبلّين (للرئاسة أو للعضويّة على حدّ سواء) بالتوجُّه إليّ بشأن التصويت له. أخشى أن أُغضِب نفسي إن التزمْتُ الصمتَ في حضوره؛ وأخشى أن أُثير حفيظتَه هو واستياءَه إن تكلّمتُ أمامه بارتياح وحرّيّة ومصارَحة. هو لن يخسر من جرّاء ذلك، فأنا لا أمتلك سوى صوت واحد: صوتي أنا. لست زعيمًا حمائليًّا، ولا مقاوِل أصوات، ومجال تأثيري محدود محدود
أيّها الإخوة المرشَّحون، لا تحدّثونا عن رغبتكم في الجديد وعن اقتناعكم بضرورة التجديد والتغيير! حدِّثونا عن أفكاركم، عن برامجكم!
مَن السابقُ: الترشُّح أم البرنامج؟ أليس من المحزن أن يرشّح المرءُ نفسَه معلنًا ذلك على الملأ، ثمّ في مرحلة متأخّرة يبحث عن برنامج انتخابيّ، فيُصْدره في منشور ضئيل عامّ تعميميّ قبل إجراء الانتخابات بأيّام، لا يختلف بكثير عن مناشير سِواه من إخوته المرشَّحين؟!
أيّها المرشَّح، يا ابن بلدي العزيز، هل لديك تصوُّرٌ لما تحتاجه عبلّين؟ هل لديك طروح واقتراحات حلول وآليّات للعمل التغييريّ المنشود؟ هل لديك كلّ هذا ونحن لا ندري بعد، أم إنّك ستحاول البحث عنه عمّا قريب -أو عمّا بعيد؟!

 

هـل مـن حـلـول؟


أيّها المرشَّح، يا ابن بلدي العزيز، هل لديك حلّ أو حلول فعلاً، أم تراك تتبنّى فكرة "أنا هو الحلّ"؟! لا أتردّد في القول إنّ تَبَنِّي فكرةٍ كهذه (فكرة "أنا هو الحلّ") هو في حدّ ذاته مشكلة، بل مشكلة كبيرة.
هل لديك في شؤون مكافحة العنف ما يقال لينفَّذَ؟
هل لديك ما يقال لينفَّذَ، في شؤون البيئة؟
هل لديك ما يقال لينفَّذَ، في شؤون التعليم والحضانات؟
هل لديك ما يقال لينفَّذَ، في دعم وتمويل الأطر الناشطة في البلدة؟
هل لديك ما يقال لينفَّذ، في برامج الشبيبة؟
هل لديك ما يقال لينفَّذَ، في التطوير والدعم الزراعيَّيْن؟
هل لديك ما يقال لينفَّذَ، في برامج التعدّديّة والعيش المشترَك لأبناء عبلّين -مسيحيّيهم ومسلميهم؟
هل لديك ما يقال لينفَّذَ، في شأن تدوين تاريخ عبلّين الشفويّ؟

 

"تـحـريـض"


الحدّ الأدنى من الأمانة والدماثة يتطلّب منّي أن أشير إلى أنّ كثيرًا من هذه التساؤلات أسوقها بفعل "تحريضيّ" من اثنين من أصدقائي العبلّينيّين؛ أحدهما قريب قريب، والآخر بعيد قريب. إنّهما العزيز أخي سهيل جميل الحاجّ، والعزيز أخي إبراهيم شوقي حبيب:
سهيل مدير مدرسة عبلّين الإعداديّة منذ بضع سنوات، يسكن في عبلّين ومسكون بهمومها، وإن كان الكثيرون ليس لديهم علم بذلك. ومن جملة اهتماماته (الكثيرة والمهمّة والتي يسعى إليها ويعمل عليها) تدوينُ تاريخ عبلّين الشفويّ.
أمّا إبراهيم، فمقيم منذ سنوات في ألمانيا حيث بنى عائلة مبارَكة هناك. هناك يقيم، ويقوم بمتابعة أخبار ما يجري هنا. لكلينا أحاديث كثيرة في شؤون عبلّين وحاضرها ومستقبلها، وذلك عَبْرَ لقاءاتنا وجلساتنا الطويلة القليلة المتباعدة، وعَبْرَ المكالمات الهاتفيّة، وعَبْرَ رسائل البريد الإلكترونيّ. إبراهيم مسكون هو كذلك بهموم عبلّين رغم بُعده عنها؛ بل ربّما بسبب بُعده عنها. إبراهيم من تلك الفئة من العبلّينيّين الذين كلّما ابتعدوا اقتربوا أكثر. يا لَلبُعد كيف يجعل الوطنَ أقرب! 

 

ردًّا عـلـى اتّـهـام مـحـتـمَـل...


أيّها المرشَّح، يا ابن بلدي العزيز، لا تتساءل أمامي باستغراب وإدانة وَ "تسميع حَكِي" مكشوف: "هل على كلّ منّا أن يبقى حياديًّا، أو متفرّجًا، مُعْفِيًا نفسه من المسؤوليّات؟". لا تتساءل أمامي موجِّهًا كلامك إليَّ مباشرَةً أو مُداوَرةً، فمسؤوليّتي تختلف عمّا ترى أنت أنّه مسؤوليّتك. مسؤوليّتي (كما أراها أنا، وبكلّ اقتناع) ليست في أن أُناصرَ هذا المرشَّح أو ذاك، أو أن أروّج له أو أن أدعو إلى انتخابه. دَوْري الممكن والمتاح والمهمّ لا أراه في أن أَكُون رئيسًا للمجلس أو واحدًا من أعضائه، لا الآن ولا بعد الآن. مسؤوليّاتي ودَوْري أراها في مجالات عمل ليست ضمن إطار المجلس المحلّيّ، ومن مَحاورها الرئيسيّةِ المَحاورُ الثلاثةُ التاليةُ: أُسْرتي؛ مهنتي؛ كتابتي...
لزامٌ عليَّ أن أوفّر لأسرتي العيش الكريم، أو أن أحاول. من واجبي أن أربّي ابني وابنتي وَفقًا للقيم الوطنيّة والإنسانيّة الرفيعة والمبادئ القويمة، أو أن أحاول.
لي -كما لكلّ مَن يتّخذ التدريس مهنة- دَوْرٌ مُتاحٌ ضمن إطار المدرسة أحاول القيام به، يتلخّص في القيام بواجبين اثنين: تعليميّ وتربويّ. في هذا خدمةٌ لمجتمعي المحلّيّ ولشعبي بعامّة. ليس في ما أقول شعارٌ أو شعاراتيّة، بل شعور ورأي وممارسة لا أعتبرها متكاملة. ليس مجرّد شعار، بل شراع هو يدفع بنا في محاولاتنا (مع سوانا مِن المحاوِلين) أن نبحر بمجتمعنا صوْبَ شواطئ الأمان والنجاة والخلاص.
أمّا الكتابة، فهي محاوَلة أخرى، محاوَلة غير دائمة للقيام بواجبٍ تجاه مجتمَعٍ أُحبُّه على علاّته، لكنّي أكره رجعيّته وزَيْفَه؛ مجتمَعٍ أُحِبُّ ألوانه وأكره تلوُّنه. الكتابة في شؤون وشجون المجتمع أراها محاوَلة تغييريّة مُهمّة رغم محدوديّة احتمال تأثيرها.
هل نتجنّى حين نتمنّى أن يقوم كلّ منّا بواجبه وأدواره ومسؤوليّاته؟! لو قمنا بذلك، لتبدّلت أحوالنا تحسُّنًا. وليتنا نتذكّر أنّ السلطة المحلّيّة (رئاسة وعضويّة) ليست الموقع الوحيد لخدمة المجتمع المحلّيّ. أقول هذا دون محاولة ولا نيّة للحطّ من شأن السلطة المحلّيّة، ودون إنكار لأهمّيّتها؛ لكن هل خدمة المرء لمجتمعه لا تكون إلاّ من خلال قنوات المجلس المحلّيّ؟! في هذا الصدد لنا حديث في ما بعد، ليس هنا ولا الآن.
أيّها المرشَّح، يا ابن بلدي العزيز، لا تسألني (مفترِضًا أو ظانًّا أنّك تُحرجني بأسئلتك أو تُفحمني) قائلاً: "لِمَ تكتفي بالانتقاد؟ ما الحلول أو البدائل؟ تفضّل واقترح!". لا تسألني عن الحلول، فأنا لست سياسيًّا. أنت السياسيّ، أو أنت مَن يُفترَض أن يكون سياسيًّا. لو كنتُ أنا سياسيًّا (ولن أكون)، لوجدتُ الحلول، أو لأوجدتها، أو لَسَعَيْتُ إلى إيجادها، أو لادّعيتُ أنّي أمتلكها! أجل، الكتابة والانتقاد هما "وظيفتي"، وإيجاد الحلول أو اقتراحها وطرحها هي وظيفة أهل السياسة والحكْم.

 

تـذيـيـلان اثـنـان


 * عذرًا، لقد حاولتُ أن أكون صريحًا وواضحًا! قد أُعاوِدُ المحاولة.
 * لإخوتنا المرشَّحين جميعهم نتمنّى النجاح. هل نجاحهم المأمول هذا هو في حدود الممكن؟ أرى أنّه في إمكانهم هذا حقًّا إن شاءوا. في هذا الشأن لنا حديث قادم...
عـبـلّـيـن – 25/6/2010
hajhanna@gmail.com


 

قد يهمّكم أيضا..
featured

إما مصالحة وطنية وحكومة وفاق وطني فلسطينية وإما العبودية تحت الاحتلال!

featured

انتخابات وعورات

featured

نتنياهو بين التذاكي والاستغباء

featured

خمس دقائق تلخِّص وجع وعد بلفور

featured

أهم دروس أيار الدامي 1958 ما بين النكبة والنكسة وصولا ليوم الارض

featured

أعيدوا عظامي لأم الزينات

featured

ما بين القشّة والخشبة

featured

بروميثيوس العربي يوقد نار الحرية!!