كعادتها تعمد اسرائيل الى تحريك المياه الراكدة او الجامدة بسبب برودة هذا العام، لاستدراج رد غزاوي، وليس بالضرورة من حماس الملتزمة بالتهدئة. المهم ان تهطل الصواريخ على بئر السبع واشدود واشكلون، وتسقط غالبيتها "في اماكن غير مأهولة، فلا تقع خسائر في الارواح والممتلكات "، بحسب الاعلام الاسرائيلي الرسمي
"لماذا ما زالوا يرمون علينا الصواريخ؟"
هذا السؤال ليس من بنات افكاري، بل من بنات افكار الطفل البريء، العسقلاني الحائر، نتانئيل بطيطو. وهو-السؤال- لا يختلف كثيرًا عن سؤال الميعاري للسخنيني. فكلا السؤالين ظل معلقا في الفضاء، ينتظر الجواب وما من جواب. لأن المكلف بالاجابة في الحالتين، التزم جانب الصمت، احدهما خبثا وتعمية، وثانيهما ضعفا وانكسارا.
في ايام العصبيات والمناكفات بين القرى، اجتمع في الباص "النازل على عكا"، ثلاثة من قرى عرابة وسخنين، وميعار، ايام كانت ميعار ما زالت تتجلّى في قمة الجبل. راح السخنيني – مزهوا بشعور القوة، لانتمائه الى قرية كبرى – يتحرش بابن الجارة الشرقية، عرابة البطوف. حتى عيل صبر العرّابي، لعجزه عن الرد على الاستفزاز.
فماذا فعل؟
عمد الى الحيلة. قال للسخنيني الجالس الى جانبه : نحن نقر ونعترف بأنكم اقوى منّا "وتقتلوننا" ساعة تشاءون. لكن هل "تقدرون" لأهل ميعار؟
صمت السخنيني، مدركا المأزق الذي وضعه فيه ذلك العرّابي الخبيث، ولسان حاله يقول :"اجاك يا بلوط من يعرفك".
فهل يغامر "ويتمرجل" فيتعرض لغضبة الميعاري؟ أم يعلن هزيمته وهزيمة قريته؟ باطل!!
انتظر الميعاري الاجابة. ولما لم تأتِ، لكز السخنيني أمامه قائلا :"سألك سؤال شرعي! جاوِبْ"!!
آثر السخنيني الصمت، تماما كما فعل والد الطفل اليهودي من عسقلان.
كان بامكان والد نتانئيل ان يشرح لابنه وجهة النظر الاسرائيلية، ويقول له إن حكومتنا تواظب على تطبيق قانون الاستعمال، وعدمه كي لا تنشلّ ذراعها العسكرية لقلة الاستعمال. وهي تريد للمواطنين التعود على الحروب الدائمة، فلا يستكينون لحياة طبيعية. يعيشون ويدَعون الآخرين يعيشون. كان بامكانه ان يقول له ان العسكرية الاسرائيلية لم تفعل شيئا، سوى انها بدأت للتو بموسم اصطياد "المخربين"، ممن اضطرت لمبادلتهم بالجندي الاسير، جلعاد شاليط. وكان بامكانه، ان يضيف ان أولئك "المخربين"، لم ينفذوا الشروط الاسرائيلية، معترفين بالجميل! تصور! ان احدا منهم لم ينتسب لليكود ولا الى "اسرائيل بيتينو"، بل لا حتى الى كاديما، أسوة بأخوة لهم في الداخل، يتسابقون للانضمام الى هذا الحزب الشاروني. كان بامكان من اطلقنا سراحهم – والكلام ما زال لأبي نتانئيل – الانضمام الى ركب الشباب والشابات من اليهود وبعض العرب، الذين انطلقوا الى شتى ارجاء العالم، في حملة مباركة، يشرحون فيها لشعوب الارض، كم ان اسرائيل جميلة، وتحب السلام والعدالة والديمقراطية.
ويؤكدون لتلك الشعوب ان حكومة نتانياهو تطبق روح القانون، حتى لو كان على حساب الاستيطان. فها هي الحكومة تجبر مستوطنة "ميغرون" على ان تنقلع من مكانها، وتنتقل الى مكان آخر، يبعد بضع مئات من الامتار عن الموقع الحالي. لان الاول ارض فلسطينية خاصة!
والثاني؟
أرض فلسطينية خاصة ايضا! "مطرح ما خري شنقوه "! وقد يتم هدم المستوطنة، كما تم هدم قرية العراقيب، للمرة السادسة والثلاثين حتى الآن! فأين التمييز ضد العرب!!!
وكان بامكان والد نتانئيل ان يضيف: ان احد أولئك "المخربين" – واسمه زهير القيسي- لم يكتف بعدم الانضمام الى الحركة الصهيونية العربية، بل ترأس لجان المقاومة الشعبية في قطاع غزة! أرأيت ما اوقحهم!! الا يستحق امثال هذا القيسي، القتل؟ وهل قتله يجب ان يستدعي كل هذا المطر الصاروخي؟!
كعادتها تعمد اسرائيل الى تحريك المياه الراكدة او الجامدة بسبب برودة هذا العام، لاستدراج رد غزاوي، وليس بالضرورة من حماس الملتزمة بالتهدئة. المهم ان تهطل الصواريخ على بئر السبع واشدود واشكلون، وتسقط غالبيتها "في اماكن غير مأهولة، فلا تقع خسائر في الارواح والممتلكات "، بحسب الاعلام الاسرائيلي الرسمي.(كأني بالصواريخ العربية مصابة بالعمى). وبذلك ينوجد مبرر استمرار عمليات الصيد من الجو!!
كان بامكان الوالد ان يقول ذلك واكثر منه لابنه نتانئيل، الذي كان ينتظر قدومه بالسيارة لاعادته من المدرسة الى البيت.
مثل نتانئيل في الجانب الاسرائيلي، أيوب الغزاوي في الجانب الفلسطيني. هو الآخر في مثل عمره. في الحادية عشرة او اكثر قليلأ. لكن أيوب لم يكن ينتظر احدا، ربما كان والده قد سبقه في موسم صيد اسرائيلي سابق!
أيوب هو الآخر لملم كتبه ودفاتره وأقلامه، وخطا عائدا الى البيت. نتانئيل وجد لدى انهمار الصواريخ جدارا ينبطح عنده، اما أيوب الغزاوي فلم يجد جدارا كهذا يحتمي به.
نتانئيل، وجد فسحة للتضاحك مع والده بعد زوال الخطر، أيوب الغزاوي لم يجد فسحة كهذه.
نتانئيل عاد في النهاية الى حضن امه في عسقلان، سليما. اما أيوب... ويا لرمزية الاسم!
بل إن نتانئيل وجد الفرصة سانحة لتوجيه سؤاله البريء الصادق الحائر: "لماذا ما زالوا يرمون علينا الصواريخ"؟ فلاذ الوالد بالصمت!
أما أيوب….فلم يتمكن من ذلك! عجزت اشلاؤه الممزقة عن النطق!!
بدوره، طفلي، الذي في عمر كليهما، توجه اليّ، وهو يغطي وجهه بكلتا يديه، إزاء المشاهد التلفزيونية، سائلا: متى ينتهي موسم الصيد يا أبي؟
فأجيب: عندما يكفّ زعماء الجريمة، الحاكمون باسم الديمقراطية، عن تلقيم الطفولات البريئة، باننا لا نستطيع العيش الا على حد السيف!!
