البطريرك الراعي ورئيس حركة "أمل" نبيه بري
*بدل ترداد مقولات كسولة سهلة وشعبوية حول «التطبيع» الذي تمثله هذه الزيارة، ميكانيكية من فرط بداهتها، بينما هي تنم عن بلادة ذهنية ولجوء إلى مستنقع المألوف والمعتاد... كان أجدى بكثير أن يؤخذ كلام البطريرك الراعي بجد، وتُقلب الحادثة كلها، فيقال في الإعلام اللبناني إن المسيحيين عربٌ، وهذا ليس منّة من أحد عليهم*
ما تعريف التطبيع؟ ليس أبداً «رؤية» إسرائيلي، بصرف النظر عن مكان وظروف تلك الرؤية، بل التطبيع هو الإقرار بحق إسرائيل في الوجود، والانتقال إلى نسج علاقات عادية معها. والتطبيع لذا درجات، منه السياسي كذاك الذي افتتحه السادات وتلاه سواه، ومنه الثقافي، ومنه كذلك الاقتصادي، وهو ممارس على نطاق واسع عربياً، ولجان «المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات» التي تعمل هنا يمكنها توفير معطيات عن التعاون والتبادل الاقتصاديين مع إسرائيل، مما هو معيب.
زيارة البطريرك الراعي لا تندرج في أي من هذه الخانات. الرجل يقول إن إسرائيل كيان غاصب، وإن فلسطين عربية، وإنه ليس بصدد زيارة الأولى، بل هو ذاهب إلى الفلسطينيين العرب المسيحيين. هذا هو الأصل، وحياله تصبح التفاصيل الأخرى، كمرور البطريرك على نقطة تفتيش إسرائيلية، تقنية.
سأورد مثلاً أعرفه جيداً لاشتراكي في تنظيمه: أرسل آلاف الأشخاص من أوروبا وأميركا إلى فلسطين في «بعثات مدنية» (وهو أمر مختلف عن البعثات الديبلوماسية والرسمية). القصد تثقيفي (رؤية الواقع القائم هناك) ثم الشهادة علناً هناك وعند العودة، وأيضاً التضامن اليومي المباشر مع الفلسطينيين، ونسج علاقات معهم أفراداً ومؤسسات. تلك الزيارات كانت أساسية للفلسطينيين في عز صعود شارون ومن تلاه إلى السلطة، وإحداها هي التي دخلت إلى «المقاطعة» ولازمت أبو عمار أثناء حصاره فيها عام 2002، وأخرى دخلت إلى مخيم جنين مع الهجوم الإسرائيلي عليه وأنتجت شهادة إدانة موثقة. ولا يزال المتضامنون الدوليون يتظاهرون كل أسبوع قرب جدار الفصل العنصري وهم ساهموا في دفع المحكمة الدولية إلى إدانته. وهذه اعتبرت معركة رابحة يُستند إليها في الاعتداد بلاشرعية الممارسات الإسرائيلية. وللبعثات تنتمي راشيل كوري وأربعة من رفاقها الذين استشهدوا تباعاً على يد الإسرائيليين في ظروف متنوعة. ثم إن حركة المقاطعة التي تقلق اليوم إسرائيل وُلدت من رحم حركة البعثات التي مهّدت لها. وضمت تلك البعثات نسبة من الرجال والنساء العرب، من كل الجنسيات، مسلمين ومسيحيين، ممن حالفهم الحظ بامتلاك جواز سفر أجنبي أتاح لهم الوصول إلى هناك. وهذا أيضاً تفصيل تقني، بمعنى أن الفارق هنا ليس الخطوة ذاتها، عملاً أو رمزية، بل في استخدام أداة متاحة للتيسير.
وزيارة البطريرك الراعي، طالما أنه لن يكون جزءاً من الوفد البابوي، بل هو يسلك طريقاً مختلفاً، ويكتفي بالوجود في القدس وبيت لحم، وفي إطار فلسطيني بحت، ولا يقابل المسؤولين الإسرائيليين... تشبه مسلك البعثات المدنية ومنطقها وليس مسلك التطبيع أو منطقه.
ثم، وبكل جدية، لماذا لا تُنتقد زيارة البابا نفسه ويُطالَب بعدم التوجه إلى هناك، كممارسة وازنة للمقاطعة، وهو الذي سيلتقي السلطات الإسرائيلية؟ هل لأنه شخصية عالمية؟ لماذا لا يُطلب من الديبلوماسيين الغربيين والروس والصينيين مقاطعة إسرائيل، هل لأنهم «أجانب»؟ حركة المقاطعة تطلب من الفنانين والمثقفين الأجانب عدم زيارة إسرائيل، وقد نجحت في ثني بعضهم عن ذلك، وفي حمل هيئات أكاديمية على اتخاذ قرارات رسمية وعلنية بمقاطعة إسرائيل، فلماذا لا ينطبق ذلك على سواهم؟
هذا صعيد أول، مبني حول محاجّة منطقية عقلانية. لكن الدنيا ليست عقلاً ومنطقاً فحسب. فلنبدأ تالياً بالصراحة التي جاء وقتها: الفلسطينيون المسيحيون في عموم فلسطين يتناقصون بسرعة (يقال إنهم باتوا 2 في المئة من السكان، وهذا رقم مفزع لو صح). في الضفة وغزة والقدس، يجابهون مضايقات إسرائيل فيما هم «محاصَرون» ببيئة واسعة لا تتوانى أحياناً عن إضافة مضايقاتها هي إلى تلك السالفة، ما يجعل الأمر لا يطاق، لا سيما في ظل التسهيلات التي يمكن أن تميّز هجرة المسيحي مقارنة بالمسلم (في عموم المنطقة وليس في فلسطين وحدها)، وهي تسهيلات منسوجة من سياسات مقصودة وإجرامية للدول الغربية، ومن شتى شبكات التضامن والقرابة المتوافرة. مسيحيو فلسطين ليسوا أقل وطنية من سائر الفلسطينيين لكنهم يتعرضون لضغط مضاعف! هل من حاجة لذكر وقائع؟ وفي أراضي 1948، طورت إسرائيل أخيراً خطة تستهدفهم، تحت دعاوى أنهم «ليسوا عرباً»، وهي تناديهم للالتحاق بالتجنيد الإجباري (ما زالت تسميه «اختيارياً» بالنسبة إليهم). مع الأقلية الدرزية في ما مضى، استخدمت إسرائيل أسلوباً مشابهاً، «ميّزهم»، بالضغط عليهم بداية وخنقهم وإفقارهم، بينما أطر التضامن والمساندة المتوافرة لهم قليلة، ثم لوّح لهم بفرص متاحة أمامهم. حركة إدانة هذه الخطة مزدهرة اليوم، كما الحركة التي تدعو الدروز إلى إنهاء التحاقهم بالخدمة العسكرية (تترتب عليه خسائر كبرى تتعلق بتقديمات اجتماعية أساسية لا ينالها إلا من خدم في الجيش).
المسيحيون الفلسطينيون يحتاجون إذاً في أماكنهم المختلفة إلى الاحتضان وكل أشكال المساندة، المادية والمعنوية والرمزية. فأين هي تلك؟ هل عبثاً أن عرفات كان يزور كنيسة القيامة ثم حلت كوفيته محله حين مُنع من التجول. وزيارة البطريرك لهم تعبير عن مساندة وتضامن مُلحّين، وهو اعتبار له حيثيته.
وأخيراً، في الاستراتيجيات الإعلامية والسياسية: بدل ترداد مقولات كسولة سهلة وشعبوية حول «التطبيع» الذي تمثله هذه الزيارة (ليست تطبيعاً كما رأينا عند أول فحص للواقعة)، وأطروحات ميكانيكية من فرط بداهتها، بينما هي تنم عن بلادة ذهنية ولجوء إلى مستنقع المألوف والمعتاد... كان أجدى بكثير أن يؤخذ كلام البطريرك الراعي بجد، وتُقلب الحادثة كلها، فيقال في الإعلام اللبناني إن المسيحيين عربٌ (وهذا ليس منّة من أحد عليهم)، ومناضلون من أجل عروبة فلسطين، ومناهضون لإسرائيل... بدلالة ما قال البطريرك، وإن اللبنانيين بكل أطيافهم يثقون به وبرشده (بدلاً عن الكلام المعيب حول الخشية من توريطه من قبل الإسرائيليين بما لا يرغب فيه)، وإنهم يحمّلونه لأهلهم المسيحيين الفلسطينيين كل تضامنهم.
حين زار صحافي شاب من حيفا لبنان قبل أسابيع واعتقلته إسرائيل عند عودته، رفعت جدته لافتة تقول «حيفا بيروت بلادنا...»، وأعلنت «جمعية عدالة للدفاع عن حقوق الأقلية العربية في إسرائيل» (وهي جمعية مناضلة لا يُشق لها غبار) أن المواثيق الدولية تكفل حق الأقلية في التواصل مع محيطها. صحيح، ليست هذه حرفياً كتلك، بل ينبغي القياس والاستلهام: «فلسطين بلادنا!".
(الحياة)
