- ( إلى الكاتبة آمال كريني، علّها تخرج بحكاية من القبو الذي انطوت على نفسها فيه، بعد مصابها الأليم قبل سنة)
اليوم، في عيد ميلادي السبعين، سأمحو من فكري يومَي أمس وغد.
لقد كان يوم أمس لي عبرة وذكرى وانتهى. تعلّمت منه وحملت من أشيائه أكثر ما بوسعي وفوق ما استطعت، لألقيها في حاوية يوم الغد، وهو ليس لي، ومجهول الأمر والعمر وغريب الدرب والهويّة والماهيّة والسّعة، فضاعت الأشياء فيه!
هذا اليوم لي، هو يومي ، ولم يبقَ لي سواه، وليس أمامي غيره، أحبّه ولو كان غريبا عجيبا، ها أنا أقف على عتبته، لأطأها بقدم جديدة، ما كانت هكذا من قبل ولن تكون أبدا، هي هنا والآن هكذا، وكذا كانت في كلّ يوم جديد مضى، وما غريب الآن إلّا يوم غد الذي لم أره بعد، أما هذا اليوم فلا، رغم أني لم أعش واقعه من قبل، ولن يأتي مثله من بعد، فهو لي الآن وهنا، وليس من قوّة تستطيع أن تزحزحه إلى ما وراء المستقبل، أو إلى ما قبل الحاضر، هو يومي، هو ملكي، هو حياتي كلّها، أنا موجودة في حقله وأحمل فأسه وأداعب نسماته، وأطلّ من شرفة داره وأحلم على سريره.. وكرسيّه وعرزاله، وليس لي هنا والآن يوم آخر سواه.
هذا اليوم، هو فرصتي الوحيدة، وخشبة نجاتي من المصيبة الحقودة، سأتمسّك به بكلّ قوّة وببطولة، وسأعيشه بكلّ لحظاته، بطوله وبعرضه، بسهوله وجباله، بحرّه القائظ وببرده القارس...سأكون شجاعة..
أنا شجاعة وقويّة، وكاتبة قصص للأطفال الذكيّة، وأستطيع أن أشرق لهم الآن شمس الطفولة، وأن أطلع لنا الآن شمس الحريّة.
الآن وهنا، وفي هذا اليوم سأستثمر أغلى مورد عندي- وقتي، وسأنمّي فيه فلسفة حياتي، وسأرعى فيه حروفي وكلاماتي وحكاياتي، سأحيا هذا اليوم بشكل خاصّ ومميّز لأعيش كلّ لحظة من عمري إلى أبد الدهر.
اليوم سأغزو أطفال فلسطين بابتسامة، وأطفال العالم بحكاية جدّة، وسأرمي التشاؤم بلا ردّة، اليوم سأصبّح وسأمسّي عليكم بالخير، وأدعو لكم بالسعادة، وأدعوكم إلى فرحي، وسأملأ قلبي بحبّ الأطفال، وسأكفكف دمعي ببراءتهم، سأتفاءل بالخير على هديهم وبعفويتهم وسأجده بعزيمة الأبطال.
اليوم، سأفتح مفكّرتي على صفحة جديدة، وسأخرج من قبوي إلى فضاء القصيدة، وسأعدّ لكم نشيدا للفرح، للحلم، للوفاء، وللكرامة...وسأعطيكم زادا للأيام البعيدة، وأمالا للمحن الشديدة، وسلالم لخطى العلا السديدة.
قومي، انهضي وأنت كنت الأقوى منهم! فخذي بأياديهم وضمّدي جراحهم!
قومي واستعدّي واجمعي قواك وشدّي حَيلك وشعرك واستحمّي بماء الحياة وجففي أطرافك بنور الشمس وكحّلي عينيك بزرقة السماء.
قومي اغزلي وانسجي لنا قصّة/حلّة مزركشة للأطفال.
قومي وأطيلي النظر في الحياة، وأصغي لدبيب النمل المعتزّ بثقب الأرض علّها تصحو بنت الكلبة!
