مهما حاولنا التقريب بين المبادئ العلمانية والدينية في معالجة الراهن، يبقى مشروع كل منهما مختلفًا عن الآخر جذريًا. فالعَلماني من العالَم الأرضي وهو بعكس الكهنوتي أو رجل الدين، والعِلماني من العلم، الباحث في العلوم الوجودية. والعلم منتج عقلي، متحرّك ومتطوّر باستمرار، لا يعرف الثبات ولا الاستقرار. وهو كعمل بشري قابل للنقد والنقض. بيد أن الدين ثابت، جاءت به الكتب المقدّسة، يعتمد على الإيمان، التصديق بالقلب، ولا يمكن مجادلة أي إنسان في إيمانه. وأما الفكر الديني بصفته منتجًا فكريًا بشريًا فهو عرضة للنقد والنقض والتحليل والتركيب. ومن الممكن الجدل فيه، وتراثنا الإنساني، وليس فقط العربي الإسلامي، شاهد على ذلك. فالمذاهب لم تنزل من السماء، وكلٌ بما لديهم فرحون، وكلٌ بما لدى الآخرين منتقدون.. حتى وصل النقد حد التكفير، نتيجة للتعصّب والتطرف. وهنالك فرق بين الدين والمذاهب الدينية. والمقصود هنا المذاهب في نفس الدين. سواء كان ذلك في اليهودية أو المسيحية أو الإسلام. في المسيحية الغربية عمومًا، وبعد القرون الوسطى تم الفصل بين الدين والسياسة، بيد أن الصهيونية والإسلام السياسي لم يفصلا بعد بين الدين كمعطى إلهي وبين السياسة كمعطى بشري، وكفكر إنساني. لذلك نرى أنه عند كليهما لم يتطوّر نقد الفكر الديني. وبقي هذا النقد لا يتخطى الشكليات كما بقي في العادة متخلّفًا، وربما يرجع السبب إلى انعدام الحرّية وطُغيان المتشددين الذي يحول دون البحث العلمي، خاصة في الإسلام السياسي. فأي باحث علمي يُقذف بالكفر والإلحاد ويقام عليه الحد. حتى أن بعض الباحثين يفضّلون نشر دراساتهم بعد مماتهم! كمثل معروف الرصافي والعفيف الأخضر، ولذلك أيضًا نرى أن النقد التاريخي العلمي المشرقي للفكر الديني شبه معدوم، بعكس الفكر الديني الغربي الذي يتمتّع بهامش حرّية أوسع. لم يتعلّم المسلمون النقد التاريخي ربما بسبب الإسلام السياسي والخلط بين الدين والدولة، واعتبار الإسلام دين دنيا وآخرة يتم التلاعب به. يقال إن خطيبًا في الكوفة، في أيام الأمويين، اعتلى المنبر وتلا استشهادًا من ديوان عُدي بن زيد وكأنه آية قرآنية... ولا شك أنه يوجد حتى في أيامنا هذه أمثال هذا الخطيب. فمن يتابع؟ خاصة وأنه ممنوع مقاطعة الخطيب بحسب الأصول الفقهية. هذا عدا عن الفتاوى بغير علم، والتي تتبع الهوى وما أنزل الله بها من سلطان، فتزوّر الحديث النبوي الشريف، وتقوّل النبي بما لم يقله، والتي تبلغ حد السخافة والسفاهة. وكلٌ بما لديهم فرحون! كمثل "إذا استسمكتم فاستحلوا"، الذي يُنسب زورًا للنبي (ص). هذا عدا أيضًا الفتاوى المتخلّفة التي تناقض الحقائق العلمية والعقل السليم. وعليه فمهما حاولنا التقريب، تبقى العلمانية في مستوى والفكر الديني في مستوى آخر، العلمانية (اللادينية، اللاييك) التي تفصل ما بين الدين والدولة، وتحترم جميع الأديان.