قفز من على ظهر الحمار

single

قبل ست عشرة سنة، وفي خضمّ مأساة، ولا أقول معركة شهاب الدين، وأقول شباك الدين، كنت أحد الخطباء الرئيسيين في اجتماع شعبي انتخابي بحارة العُرقية في مدينتي الناصرة. وعندما جاء دوري في الكلام المباح، استلمني الماكروفون، فأصابتني رعشةُ خوف منه عليّ! لأن مكبر الصوت يضخّم الصوت وصاحبه عشرة أضعاف ونيّف، ويجعل من الواقف أمامه من أمثالي يختال، ثم يختل ويتوهّم، فيشطح... ويا أرض اشتدي ما عليك قدّي. وهات يا حكي عن حقوق المرأة والرأسمالية والرجعية والصهيونية والاستعمار، ثمّ علقت في عهد الأمومة والأم الكبرى والذكر والذكورية، وغرّزت في عصر الأمومة هذا والعبادات القمرية وعلاقة أحوال القمر بأحوال المرأة.   ورصّعت خطابي هذا ببعض أبيات من الشعر الذي لا بدّ منه في مثل تلك المناسبات، من "الأم مدرسة" إلى الطائر الذي لا يطير إلا بجناحين... ولم أدرك أنني في واد والمتلقين في واد آخر ما خلا بعض المعجبات الأنثويات! ولم أدرك إلا في اليوم التالي أنني من كثرة حماسي أخطأت الهدف، فأصابني ما أصاب الذي تحمّس فقفز من على ظهر الحمار فإذا به من الجهة الأخرى. لم ينتقدني أحد من رفاقي، لم ينبهني أحد من زملائي، سوى واحد وبشكل لطيف، قال: إن أحد بسطاء الناس من الذين استمعوا إلى خطابي هذا علّق  فقال: ما هذا؟ الأستاذ يدّعي أن الشمس إلهي والقمر إلهي.. ولا إله إلا الله! فأدركت، أنا غير المغفور له، فداحة الخطأ الذي ارتكبته. وأن هذا الإنسان البسيط لن يصوّت للجبهة التي أنتمي إليها وأكرز وأبشّر بها. وتعلّمت درسا لن أنساه في حياتي.. أن لكل مقام مقالا و.. خاطبوا الناس على قدر عقولهم! أدركت مدى فداحة سلوك المثقفين الذين يعملون بالسياسة والاجتماع، فلا ينزلون عن ظهر فيلهم العاجي ولا يتنازلون عن عنادهم ومكابرتهم المأساوية، فلا يدركون أن للزمان والمكان والظروف أحكامًا. أو أن الغرف العشوائي من التراث والموروث الحضاري خطير.. وخطير جدا! أقول قولي هذا من باب النقد الذاتي.. فإن وجدت وإن لم أجد من يقوّمني عليّ أولا وقبل كل شيء أن أقوّم ذاتي! 

قد يهمّكم أيضا..
featured

فلّة.. شمعة منوّرة

featured

نهب القدس يراه الجميع

featured

"يوم الغضب الإسرائيلي"؟!

featured

اليمن تقلب حسابات أنظمة العفن

featured

مساهمة في طريق وحدة اليسار في فلسطين

featured

اضطراب الهوية الانشقاقي

featured

مجزرة خُططت بمنهاجية لكسر شوكة المقاومة والحقوق الوطنية الفلسطينية