أليوم النحس

single
تعذّر واستعصى عليه قطع المسافات البعيدة، بعد اغلاق الطرقات، لما خلفه جدار الفصل العنصري من مشقة ومعاناة، حصار، اختناق، نهب أرض، وضياع فرص عمل وتفشي البطالة. وكان هو أحد ضحاياها. اشتد عوز العائلة، وتفاقم الضيق، واستنفدت ما ادخرته من شواقل. وما اختزنته من البرغل والعدس والحمص والفول، واعتمدت في معيشتها في فصلي الشتاء والربيع على ابتقال البقل من الاراضي القريبة من اماكن السكن، وبعد جهد جهيد، وعناء كبير وطول وقت استطاع أن يحصل على تصريح من الحاكم العسكري، أسوة بمئات العمال الذين يغادرون القرى بحثا عن العمل، وذات يوم وجد نفسه يحمل حقيبة ويقف في الصباح الباكر في طابور طويل من العمال على المعبر في طريقهم إلى حيفا. وبعد طول انتظار اقترب من الجندي الذي يقوم بمهمة التفتيش والفحص بدقة وحزم. عرض له الهوية، أطال التدقيق تم التصريح،فكان ذلك. وجنديان مدججان بالسلاح يقفان بجواره وعلى أهبة الاستعداد بعيون شاخصة، يحتقن تحت جفونها الحقد والكراهية. ثم أمره بخلع الحذاء ففعل، ثم إنزال بنطاله حتى الركبتين. نظر فيه من قبل ثم مد يده إلى دبره. ثم تحسس جسده وأطرافه وتحت إبطيه، وأخيرا أمره بفتح الحقيبة فوجد فيها ملابس للعمل وحذاء وصرة.
فأوعز له أن يفتحها، فشاهد أرغفة من الخبز الرقيق على الصاج محشوة بالعلت، طويت على شكل أنبوب على شكل عبوة مستطيلة، استفزه الطي والحشوة وأثار فيه التوجس والظنون وأمسك بتلابيبه وسحبه، حاول استدرار عطف الجندي ولكن عبثا أوقفه جانبا وأوكل حراسته الى جنديين آخرين، ارتفعت الشمس عاليا وهو ينتظر تحريره ولا علم له بسبب احتجازه. عبر الناس الحاجز وهم يطلقون زفراتهم وتنهيداتهم بوجوه كاسفة شاحبة. عاد الجندي بعد حين وجره وأدخله غرفة من غرف التحقيق التي تواجد فيها شخصان يرتديان ملابس مدنية، علقت فوق رأسيهما على الحائط السياط والهراوات، ترامى الى مسامعه من الغرف الأخرى زعيق وصيحات وضرب وشتم، فراح يسمع وجيب قلبه، وانهارت عليه الأسئلة تترى من المحقق. من الذي طوى لك أرغفة الخبز؟ فأجاب زوجتي" يا خواجا" انتهره وأمره بأن يقول: سيدي. واستطرد بتوبيخه بكلمات  نابية ثم لماذا طوتها بهذا الشكل؟ ولم تضع العلت في علبة أو في صحن؟ فأجاب: لقد اعتادت زوجتي على طي الخبز وتجعل منه بلغتنا"عرائس" من اللبنة، والزعتر، والزبدة، والمربّى، ثم عاد يسأله: وهل هي جميلة؟ وهل تحبها؟ كم عمرها؟ ماذا تعمل؟ فآثر الصمت، فتلقى لطمة على الوجه تلاها بصقة. ثم تابع المحقق طرح الأسئلة وعن كل شيء. ولما انتهى من مساءلته، أبلغه أن طي الأرغفة بذلك الشكل يوحي لهم بأشياء خطيرة. انه وزوجته لديهما خبرة واطلاع في صنع العبوات الناسفة من انتمائهما الى خلية أو تنظيم ارهابي اكتسباه بالممارسة من هذه الخبرة.وطلب منه المحقق الاعتراف والا ...  . رفع المحقق نظره الى السياط والهراوات المعلقة وصمت، عندها أدرك انه في ورطة. اهتز جسده وانكمش، وحملق بعينه وزم شفتيه، كاد صبره ينفد،   ويفقد صوابه. فغلى الدم في عروقه واتقدت عيناه كالجمر، وتهدج صوته وهّم أن ينقض عليهما لولا الذي كان ينبعث من الداخل. فاتزر بالصمت، وأخذ يتوسل، ويقسم أغلظ الأيمان أن طي الأرغفة جاء محض صدفة، وهي عادة متبعة عند الزوجة ولا توحي بأية صلة بالعبوات الناسفة. وبعد ان تبادل المحققان النظرات وكز أحدهما على شفته أطلقا سراحه، وهما يتوعدانه ويهددانه.فأسرع وتأبط الصرة. وعند الخروج وقف أحدهما وهمس بأذنه وقال له: (ان ساعدتنا نساعدك. فكر جيدا في المرة القادمة، تجد عندنا التصريح الدائم ،التسهيلات، والعمل وأشياء أخرى) أفلت من أيديهما وسارع ليلتحق بقافلة العمال وبركان الحقد والغضب يتفاعل بداخله، وردود الفعل الرافضة تتقد وتتأجج بثناياه. استقل حافلة وتابع مشواره، يحدوه الأمل بايجاد يوم عمل يكتسب بعض الشواقل يلبي بعض حاجات العائلة.
ومع ضحى ذلك اليوم حط رحاله في ساحة" الحناطير" سابقا، ساحة "باريس" اليوم. اندمج مع العمال ووقف ينتظر حظه مع الذين أزق حظهم وأفل.
طال الانتظار، تصارعت أمعاؤه في بطنه، استحثه الجوع. فجلس على الرصيف وتناول الصرة، وشرع يلتهم "العرائس" من العلت بجشع ونهم. ومن بعيد تراءى لهم رجل غطى رأسه بقبعة بيضاء مستديرة، أشقر اللون كانت نظراته تنصب عليهم وخطواته تتجه نحوهم. فهرعوا نحوه، فنهض مسرعا، ففعل ما فعلوا. ورغيف الخبز يتراقص بين يديه، وفمه يمتلئ بالعلت والزيت يسح من بين شدقيه يبلل وجهه وذقنه، وراح يوقع العمال بجسمه القوي وعضلاته المفتولة حتى كان في المقدمة فاغرا فاه وهو يقول:"أنا خواجا"، "أنا خواجا"، أنظر شوف وهو يعرض عضلاته. اعرض عن "الخواجا" وحدجه بنظرات غضب، ودفعه قائلا: " روخ أنت خمار بوكل خشيش " حاول جاهدا ولكن عبثا عاد وهو يتمتم ويقول أي يوم نحس هذا. وقف في الساحة بائسا شاحب الوجه عاثر الحظ، أطرق قليلا وشعر بالارض تدور به. زاغ نظره وأغشت عينيه غمامة سوداء. استاء وجمح الرجل ، استقل حافلة كانت في طريقها الى القرية .
اعتلى الحافلة وجلس وركن رأسه الى زجاج النافذة ، أغمض عينيه وأرخى العنان لخياله فراح يستعرض رحلته منذ ساعات الصباح الباكر حتى وقت عودته فاستذكر الصفعة والبصقة على الوجه . الغلظة ، الاستعلاء الأسئلة الاستفزازية  ، تهمة الانتماء الى تنظيم تخريبي ارهابي ، ومحاولة المحقق باستمالته واغرائه . صور قاتمة وسوداء مرت في ذهنه ومخيلته . فأطلق تنهيدة قوية زفر وقال في نفسه : الفقر ليس عيبا ، العيب في التقاعس في تكنيس الظلم والظالم .
وأقسم في نفسه انه لن يظل بعد اليوم متقاعسا ولن يقف مكتوف اليدين . فتح عينيه وكانت الحافلة قد توقفت في المحطة القريبة من بيته هبط منها وعاد الى البيت وهو جذل  فرح يحمل في جعبته اشياء ثمينة : قسما وعهدا واصرارا وعزيمة .
قد يهمّكم أيضا..
featured

" فجر الاوذيسا"

featured

ولَّت ويا ليتها لم تولِّ

featured

المعارضات السورية بين مرجعيّتين

featured

هَوَسُ قابيل العربي

featured

ألجموا هذا المارق الخرف

featured

مأساة عرفات ومهزلة (جميع) الورَثة

featured

ملاحظات "زْغَيّرة ودْعيّرة"

featured

سنصبح على وطن!