ولَّت ويا ليتها لم تولِّ

single

إنها سنة الرصاص، ذلك الذي تحوله استعارات الشيطان إلى فولاذ، تنهار سبائكه على بيوت وحارات غزة لتغرق في بحور من دماء وأشلاء بشرية، وتخلف دماراً لا يُشبع عنجهيةً سكرى بفولاذها، صماء، عمشاء، متنكرة لعبر التاريخ ودروسه، ساعة كان فولاذه وسبائكه تغرق في دمائهم وأشلائهم.

إنها سنة الرصاص، ذلك الذي غدا سيد الموقف والساحة في مدننا وقرانا. رصاص يخلف يومياً جثامين ندية ويزرع الرعب في كل حي وشارع. رصاص بأيادٍ اعتاد البعض أن يصفها بالجبن وهي من هذا براء. فهؤلاء ليسوا بجبناء، بل شريرون فاسدون يعيشون في عالم مختلة قيمه، تنامت قوتهم وتمادت في دولة تنهار فيها منظومات القيم والأخلاق وسيادة القانون فأمست كالغابة، وفي مجتمع معتل يعاني، أول ما يعانيه، ضعفاً في قياداته وخروقاً في مظلة كانت حتى إلى ماض ليس ببعيد، سقفاً واقياً في وجه سبائك الفولاذ هذه، تلك التي يصنعها من هم خارج الخباء أو أولئك الذين يغرر بهم أو تسول لهم نفوسهم ويرتهنون إلى لغة البطش والعنجهية. هم ليسوا بجبناء بل الجبناء هم أولئك المعدودون على قيادات بلدية أو قروية وتجدهم يتوددون إلى أصحاب "الرصاص" وأحياناً يلوذون بهم ليستقووا ويستعينون "بهيبتهم" وبسلطانهم ليضمنوا سلطتهم ونفوذهم الفاسد والمفسد.

إنها سنة الكتاب، لا ذلك الذي نصه نجيب محفوظ أو رضوى عاشور ولا حتى حنا مينا أو كوليت خوري أو باولو كويلو وأمثالهم من مبدعين ومبدعات، بل هو "الفيس بوك" الذي أصبح معبداً لآلاف الشباب والشابات، يلجأون إليه ليعبثوا بالقشور التي سريعاً ما تحتل أمكنتها في عقولهم.

فإدمان التعاطي مع "الفيس بوك"، وقبله إدمان الانترنت، لا بما يتيحه هذا العالم من آفاق وينابيع معرفة، بل بما يوفره من تقنيات أغرقت هذا الجيل بما هزل وأضر، فنشأ جيلاً منبتّاً عن ماضيه وموروثه، هلامياً وهو، لكل هذا، واهن، هائم، لين، اختراقه سهل وانحرافه قاعدة وليس استثناءً.

فإن سألت أحدهم عن جمال عبد الناصر يسارعك بالاستفسار عن الحارة التي يسكنها والبلدة كذلك. أما عمن سلف من أحداث وأعلام كابن رشد وأمثاله فهي الطلاسم العصية، ورحم الله إيليا أبو ماضي طبعاً.

إنها سنة السفهاء ولولا كثرتهم وطغيان ما يبثونه من جهل وتجهيل وإساءات وتحريض، لصح فيهم ما قاله الإمام الشافعي ناصحاً تجاهلهم وعدم الالتفات لسفاهاتهم، مهما قست وتمادت.

سفاهة هؤلاء أوصلتهم إلى حد الاعتقاد أنهم وفقط هم يملكون ناصية الحق والحقيقة وكل ما يؤمنون به هو الصواب وخلاف ذلك لا يصح ولا يكون. أولئك ورثوا بذرة المعرفة وانفردوا بها وبعضهم يعتقد، سفاهةً، أنه موكل من رب العزة والكون فأمسى، لهذا، دياناً ومفتياً بما صح وما فسد. هو ومن يعتقد هو أنه على شاكلته يستحق الحياة، أما الآخر، المغاير، فهو ابن الموت كافر، عاق لا يستحق العيش ومصيره حتماً جهنم.

هكذا قرأنا في كتاب "توراة الملك" من لبنات أفكار رجال دين يهود يحللون ويفتون بوجوب قتل الأغيار بلا استثناء، حتى أطفالهم وشيوخهم مصيرهم واحد. وهكذا سمعنا من رجال دين "كبار" مثل عوفاديا يوسف وآخرين.

تبقى سفاهة هؤلاء مؤرقة، لانتشارها وسوادها بين من هم في تعداد الأكثرية في هذه البلاد، ولكننا لا نستطيع أن نغفل سفاهة أقلية ناشزة تنشط بيننا، نحن الأقلية العربية في البلاد، تستغل المنابر والألقاب المزيفة لزرع الفتنة والضغينة بين أبناء البلد الواحد، مما يضعف لحمة أبناء المجتمع الواحد ويصب في مصلحة أعدائه، ومثلهم لا ينحصر في دين أو قرية فكل الناشزين في السفاهة سواء.

إنها سنة "هيفاء"، لم يخطئ أحدكم بالمقصودة هنا، وإن اخطأ أو تردد أؤكد له أنها هيفاء وهبي وما تعنيه وما ترمز إليه من واقع مر بالرغم من حلاوتها برأي النساء قبل الرجال، على ما أعتقد.

وهيفاء هذه وأخواتها من نانسي، وميريام، ومروى، ودوللي وكل ما استُظرف من أسماء هشة، ثلاثية ومنغمة تتصدر مواقع "الأخبار" المحلية. فما تكاد تنقر حاسوبك لتختار أحد هذه المواقع، إلا ويبرق لك بإعلان "عاجل" يشدك لتقرأ أن إحداهن تصالحت مع زميلتها أو تعتب على مدير أعمالها أو شوهدت بصحبة فلان أو نفت إجراءها لثلاث عمليات تجميل، لأنها تعترف باثنتين فقط وما إلى ذلك من تفاهات تتصدر ذلك الموقع وتترك نبأً عما يجري في غزة أو نابلس أو حتى أمريكا إلى ما يلي من ذيل صفحة الأخبار.

ثقافة هيفاء هذه سادت وطغت حتى أصبحت قدوة وموديلاً تسعى وراءه حريرات مجتمعنا، فهذه تريد موضة نانسي وتلك تتحزب لإليسا وأخرى لا يعجبها إلا "لوك" ميريام فارس .

لو اقتصر الوضع عليهن لظفرنا بنصف مجتمع حصين، منيع، ثابت، صامد لم يخضع ولكن المأساة طفحت وإذ بمن خشن من جنس يصاب بذات اللوثة ويحذو حذوهن. أحدهم يتحزب لتلك، وآخر يستميت على فارس الأغنية وذلك لا يتنازل عن تامر وأخوه حليف إيهاب وابن عمه نصير عمرو وصديقته تموت في ريان، واللهم اغفر لي من نسيت أو أخطأت بتهجئة اسمه.

باختصار أنها سنة الموسيقار"عاصي" ، لا ،لا ، أخي القارئ، لا تظنن أن المقصود بذلك هو الراحل الكبير عاصي الرحباني، فهذا لكثيرين من أبناء هذا الجيل يعد من طلاسم الماضي والغيب، أما المقصود ، هكذا تبين لي كلما سمعت أحدهم يردد هذا الاسم، هو الموسيقار عاصي الحلاني!. ولذلك اسمحوا لي أن أترحم على عاصي، الذي أنعم الله عليه بالوفاة ولم يعش ليشهد عصر الموسيقار عاصي!.

سنة ولَّت وكانت سنة الرصاص، سنة الكتاب، سنة السفاهة وسنة هيفاء. ولت ويا ليتها لم تولِّ، فهي بما خلفت وأرست لا تبشر بأخت قادمة جديدة أحسن منها، فالمكتوب يقرأ من عنوانه وهل سيكون عنوان أوضح مما خلفته قنبلة تلقى على بيت رئيس لجنة الرؤساء ورئيس بلدية الناصرة السيد رامز جرايسي وهو عنوان بالرصاص كتب؟.

قد يهمّكم أيضا..
featured

من نهفات أمي: علت في اوكرانيا..

featured

من ذكريات شيوعي مخضرم

featured

" حزيران"

featured

نتنياهو يتّهم كلّ العالم!

featured

لِتتوقفْ حرب الإبادة..!

featured

من فمك أدينك!

featured

«النصرة».. نحو نظام إقليميّ جديد؟