قبل اكثر من نصف قرن انطلقت اغنية الفنان الكبير فريد الاطرش "بساط الريح" ولاقت رواجا شديدا وقبولا لا مثيل له عند الشعب العربي من المحيط الى الخليج، وكان "لتونس الخضرا" نصيب في تلك الاغنية العروبية الراقية. واليوم اسمح لنفسي ان اطل على "تونس الخضرا" حتى على بساط، كما فعل فريد الاطرش، ولكن ليس في اطلالة عابرة كما فعل، وانما في وقفة متأنية بعد التطورات الكبيرة والمثيرة التي حصلت في هذا البلد، وارث حضارة قرطاج ومهد القيروان التي كان لها شأن كبير في التاريخ العربي- الاسلامي. وان كنت انسى فلن انسى جامع الزيتون الشهير في مدينة تونس العاصمة، صاحب العراقة واول جامعة في العالم العربي والاسلامي، والذي لا يقل اهمية عن جامع الازهر في مصر.
على كل حال هذه بعض الشذرات من نفحات التاريخ التي تعبق بها تونس، واسطة العقد في المغرب العربي. والذي دفعني للكتابة هذا الاسبوع عن تونس، وان اعرّج عليها حتى على بساط الريح، ذاك التحول الكبير الذي حصل في الانتخابات البرلمانية الاخيرة وأهمية هذا التحول. لكنني لا بد بادئ ذي بدء الا ان احيي ابناء الشعب التونسي العظيم، الذي زحف في الاول من تشرين الثاني الحالي الى مطار قرطاج لمحاصرة الصهيوني اليهودي برنار ليفي، حيث علموا انه هبط في مطار قرطاج. وظل هذا الشعب النقي يتظاهر حتى أجبر هذا الرجل، غير المرغوب فيه، ان يعود ادراجه في اليوم التالي عائدا الى باريس. وبرنار ليفي هذا كما يعلم الجميع هو نذير شؤم، ومتآمر دولي، وعرّاب ما سمي "ثورات الربيع العربي". وقد جاء الى تونس في السابق اثناء هبة الشعب التونسي ضد الرئيس بن علي. وجاء الى ليبيا، وزار مصر اثناء ثورة 25 يناير. ودخل سوريا من تركيا مناصرا للارهاب، الذي تدفق على سوريا. وكان في اوكرانيا، حتى اصبح هذا الوباء اكبر نذير شؤم في هذا العالم. وتوقيت زيارته لتونس جاء بعد الانتخابات البرلمانية، التي اسقطت الاخوان الممثلين بحزب "النهضة" وخسارتهم لأكثر من عشرين مقعدا في البرلمان التونسي، ليصبحوا القوة الثانية بعد حزب "نداء تونس"، الذي حصد اغلبية في هذه الانتخابات. ويقال إن هناك علاقة وطيدة بين حزب "النهضة" الاخواني وبرنار ليفي، مع ان الحزب انكر انه هو الذي دعا هذا الصهيوني الكبير الى تونس، غير أنّ زيارته وتوقيتها ليست بريئة وتحمل في طياتها بذور الشك والريبة. فالرجل اذا دخل بلدا افسدها، وحين يتصدى له ابناء وبنات تونس ويطردونه شر طردة، فان هذا دليل على حيوية الشعب التونسي وعراقته، واصراره على تصحيح المسار، وقد بدا ذلك من خلال الانتخابات البرلمانية الاخيرة.
قلت إن حزب "نداء تونس"، بقيادة السياسي المخضرم الباجي قايد السبسي، حصد حصة الاسد في هذه الانتخابات، حيث بلغت مقاعده 85 مقعدا بينما حصل الاخوان على 69 مقعدا. وهو ما سيؤهله لتشكيل حكومة ائتلافية، كما سيمهد الطريق ليكون السبسي رئيس تونس في الانتخابات الرئاسية، التي ستجرى في الثالث والعشرين من شهر تشرين الثاني الحالي. وان لم يحدث ذلك في الجولة الاولى، فإنه سيحصل في جولة الاعادة الثانية. وحزب "نداء تونس" فيه وجوه ليبرالية ووطنية تونسية معروفة، وقد شغل الكثيرون منهم مناصب في الدولة التونسية، سواء ايام الرئيس الحبيب بورقيبة او بن علي. ولا يستقيم ان نسميهم "فلول النظام السابق"، مع ان هناك من الفلول الفاسدة التي انتهى دورها السياسي. والشعب التونسي الذي امسك بزمام اموره يعرف جيدا انه لا مكان لها في الحياة السياسية. ويجب ان لا ننسى انه ليس كل ما كان في السابق سيئا، وخصوصا ايام الرئيس بورقيبة الذي قاد بلاده الى الاستقلال من فرنسا. صحيح ان هذا الرجل كان متأثرا بالثقافة الفرنسية، وله كما عليه. وصحيح انه كان ليبراليا منفتحا على الآخرين. وصحيح انه اتهم بالولاء للغرب. وصحيح انه كان شديدا ضد معارضيه، وقامت مخابراته بتصفية الزعيم الوطني صلاح بن يوسف، احد المجاهدين الذين كانوا معه في النضال ضد الاستعمار الفرنسي. لكن الصحيح ايضا ان بورقيبة كان يؤمن بنظرية "خذ ما تستطيع وطالب بالباقي". وكان من اوائل الذين نصحوا الفلسطينيين بقبول قرار التقسيم حتى لا تضيع فلسطين. وقد يختلف البعض معه هنا او يتفق، لكن يبقى القول إن الرجل كان برغماتيا، ولم يدّع انه ثوري، مع انه اختار لنفسه لقب "المجاهد الاكبر". وهو الذي اعطى للمرأة حقوقا متساوية في تونس، واعلى من شأنها، وادخلها الى البرلمان قبل اي بلد عربي آخر. ويروى عن بورقيبة انه قال، في مؤتمر القمة العربي الذي عقد في تونس عام 1982 بعد خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت، موجها كلامه للرؤساء والملوك العرب: "انا بورقيبة الذي تتهمونني بموالاة الغرب اقترح عليكم، وردّا على ما تعرض له الفلسطينيون، ان نقطع جميعا علاقاتنا مع امريكا. وستكون تونس اول دولة تقطع علاقتها مع امريكا". وفوجئ الحكام العرب مما قاله لهم بورقيبة، ولم يجرؤوا ان يتخذوا مثل هذا القرار. وللحقيقة والانصاف، فانه في العام 1987، وحين اطاح بن علي بالرئيس بورقيبة، اتضحت نظافة يد بورقيبة حيث لم يكن يملك اموالا في البنوك، ولم يسجل على اسمه بيتا واحدا، رغم حكمه المطلق والطويل. وقامت الدولة التونسية بإعادة الاعتبار اليه، ومنحته احد القصور ليعيش فيه حتى توفاه الله.
وحين اعود بالذاكرة الى الوراء لأشير الى هذه الاحداث التي اصبحت حقائق حتى نعرف كيف تسير الامور في تونس، فالثورة التي قامت ضد بن علي قبل حوالي اربع سنوات كانت محقة. لكن هناك قوى اخرى ركبت الموجة، وبدعم خارجي، واختطفت هذه الثورة وحرّفتها عن مسارها الصحيح، فكان ان تحالف المنصف المرزوقي مع الاخوان المسلمين. وهو يساري سابق عاش في المنفى، وشهيته للحكم دفعته ان يكون نصف اخواني واصبحت الترويكا الحاكمة في تونس، ممثلة بالنهضة الاخوانية والمرزوقي الذي اسس حزب الدفاع عن الجمهورية، من اشد السائرين في الفلك القطري- التركي، المدعوم امريكيا. وقام حكام تونس بقطع العلاقات مع سوريا، واستضافوا في تونس اكثر من مرة اتباع الحلف الدنس المسمى "اصدقاء سوريا". وحين يتراجع حزب "النهضة" ليصبح اقل من 30%، وينهار حزب المرزوقي، فان القوى التونسية الصاعدة، من الليبراليين والعلمانيين والقوميين واليساريين، اصبحت هي مربط الفرس في هذا القطر العربي الحبيب. وسيكون للانتخابات التونسية، بعد ان تكتمل بانتخابات الرئاسة، اكبر الاثر على الاوضاع في شمال افريقيا والشرق الاوسط. وقد قال المتحدث الرسمي باسم "نداء تونس" ان اول عمل ستقوم به الحكومة القادمة هو اعادة العلاقات الدبلوماسية مع الشقيقة سوريا، فأهلا "تونس الخضرا"..!