أثار الاعتداء الإرهابي الدموي على كنيسة "سيدة النجاة" في بغداد موجة من ردود الفعل المستنكِرة والرافضة. كانت الجريمة كبيرة وبشعة، ودماء الضحايا الأبرياء استفزت المسيحيين والمسلمين، البسطاء منهم، وكذلك الأحزاب والحركات السياسية ومن يقف على رأسها من مراجع ومشايخ.
يستطيع القارئ أن يتابع التفاصيل من آلاف الصفحات التي كتبت في هذه الحادثة. صفحات سيطويها الزمن وسيطمرها غبار حوافر خيول "فرسان المرحلة" يمتطون جياد الجهل والحقد الأعمى. مثلها كسابقتها من اعتداءات أودت بأحياء أصبحوا ذاكرة للتاريخ، وراكمت جرعات من الخوف، يتمادى ويستأصل ولا يترك لضحاياه إلا الهروب الى ما شُبِّهَ لهم كملجأ. إنهم مسيحيو الشرق، الآخذة أعدادهم بالتناقص الواضح في جميع أماكن سكناهم، وبالتلاشي في جزء منها. قضيتهم لا تقتصر على العراق الدامي، وإن كانت ساحته تتصدر الحدث وما يعتريها من مشهد الجلاء او الإجلاء. كثير كتب عن كونهم عربًا أقحاحًا سكنوا البلاد قبل كل وافد. أصحاب حضارة وثقافة وهوية. بنوا مع إخوانهم وأسَّسوا نسيجًا راقيًا لمجتمع عربي أضاء فضاء المنطقة والجوار.
عروبتهم ساطعة وانتماؤهم خالص. دائمًا وقفوا وساندوا أبناء قومهم فقاسموهم الأرض والخبز، الحلم والتحدي. فحتى عندما غزا بعضٌ من أصحاب الأطماع أرضهم تخندقوا مع أبناء أمتهم، وذادوا عنها في حرب أصاب من سمّاها حروب "الفرنجة" وليس "الحروب الصليبية"، ليدلل على أن الصليب، الذي تمسَّح به هؤلاء الغزاة الطامعون، ما هو إلا دعاية وتمويه. فصليب عيسى وحنا، هنا في فلسطين والشرق، كان الصليب الحق، صليب الجليل والقدس. ومن عهد إلى عهد حافظوا على العهد والعهدة وإن كانت طريقهم طريق آلام وآمال.
"ليل العراق طويل" وليل فلسطين طويل كذلك، فهنا في مهد المسيح والمسيحية، يتبخر المسيحيون وتقل أعدادهم يومًا بعد يوم. لا حاجة لإغراق القارئ بالإحصائيات وهي كثيرة، نشرها كُتَّابٌ تطرقوا إلى ظاهرة هجرة مسيحيي الشرق أو تهجيرهم. هؤلاء الكتاب حللوا وسبروا عوالم وعوالم، لخَّصوا وأجادوا، فالظاهرة مقلقة، وما بُني من نسيج اجتماعي صحي في مجتمع تتلاقح فيه الثقافات والحضارات وقيم الدين والإنسانية، آيلٌ إلى الاندثار. تعددية مثرية تتلاشى، ليسود صوت الوتر الواحد في ربابة البداوة. يحاول مخلصون عديدون درء المصيبة وإيقاف النزف. فتارة ينددون ويستنكرون اعتداءً اتَّسم بخلفية طائفية هنا، وتارة بتهدئة روع من خاف يومه وادلَهمَّ ليله. لقاءات التسامح الديني انتشرت وأصبحت أكثر من لقاءات أبناء العائلة العصرية. في جميعها يردد المشاركون تعاليم الديانات السمحة المسالمة المحبة لمن ليس على دينهم. لا غضاضةَ في كل ذلك، وبعضه أحسن من عدمه. لكنني أعتقد أن القضية أكبر والمأساة أعقد. وهذه لا تكمن في الدين إنما بمن يدَّعيه، وبجهله وعصبيته يجنِّده أداة إقصاء لغيره واستعداء يقوده إلى ارتكاب الكبائر والفظائع فعندها حتى "سيدة النجاة" تمسي هدفًا وتصبح ضحية. قضية مسيحيي فلسطين لم تبدأ البارحة، لكنها تفاقمت في عام النكبة، ووقعها على هذا الجزء من الشعب الفلسطيني، كما وقعها على مسلمي هذه الديار. منذ ذلك العام توالت الأحداث وتعددت الأسباب وكلها أدت إلى تناقص متزايد في أعداد السكان المسيحيين هنا، الذين تحولوا اليوم إلى أقليه ضئيلة. لقد كتب غيري عن أسباب حدوث هذه الظاهرة، ولن أردد ما قيل وما كتب لكنني أؤكد أن أخطر هذه الأسباب هو ما تولد من مناخ عام محيطه يلم المنطقة، ومركزه هنا في بلادنا البعيدة والمجاورة. المناخ العام هذا، أدى إلى توليد حالة من الخوف لدى كثيرين من المسيحيين وشعور بعدم الطمأنينة والاستقرار. شعور من الغربة والاغتراب. شعور بعدم الانتماء لما هو سائد وطاغ.
ففي عرف بعضهم ما دمت مسيحيا فأنت صليبي وحق استعداؤك، وفي جميع الأحوال تخوينك وإقصاؤك. وما دام بوش مسيحيًا وأمريكا والغرب، هكذا بالتعميم الجاهل، فأنت على دين بوش وتشيني، غازٍ مثلهم، ومثلهم عدو. وإن كنتَ علمانيا أو غير متدين فأنت في عرفهم ملعون، وإن كنت ديمقراطيا فأنت كافر. وإن أحببت الغناء والشعر والفن والمسرح فأنت فاسق زنديق. هو مناخ استبد فيه الجهل وغاب احترام الآخر ورأيه واختلافه. مناخ لا يعرف للحرية معنى إلا حرية التكفير، والخنجر بأيدٍ نصَّبت نفسها واهبة للحياة والموت. حياة لمن تعتقد أنهم على دينها وموت كل آخر كافر ومرتد وزنديق. أسباب ذلك التقهقر كثيرة، ومن يغذيها ويساعد على استفحالها كثيرون وإن تعددت أصولهم ومشاربهم، يشتركون في كونهم أعداء الإنسانية والإنسان. الظاهرة مقلقة ومتفاعلة، وأهم من مسبباتها هو ما تدلِّل عليه من وهن وضعف على مستويين، لولاهما لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه. الأول، هو ضعف التيار القومي العربي الذي اغتنى واشتد ببناته العرب المسيحيين والمسلمين وشكل حاضنة وحصنا لجميعهم بما آمنوا به من قيم ومبادئ. والثاني، هو ضعف الحركة الوطنية الفلسطينية وتراجعها بشكل مقلق وخطير، وهي التي اغتنت كذلك ببناتها من مسيحيين ومسلمين وشكلت لهم أيضًا حصنًا وحاضنة لما آمنوا به من قيم ومبادئ إنسانية ووطنية.
باختصار أقول، إن ما يعتري الواقع العربي من وهن ومن انحسار في مفاهيم وممارسة الديمقراطية، وغياب أنظمة حكم تؤمن أن الإنسان أغلى ما لديها، وأن حريته أول ما يجب أن يكفل، وانكفاء طلائع الأمة وانطفاء مصابيحها لتكون اول من يهجر الوطن لملاذٍ هوامشه، حتى وإن كانت آنية، أوسع وأفسح. في هذا الواقع لن يكفي ما يعقد من مؤتمرات تصرخ من أجل التسامح والعيش معا ولن يشفع ما يكتب في توصيف الحالة والأسباب المؤدية لها. في هذا الواقع، أعتقد أن أخطر ما رشح ورسخ من الاعتداء البعيد عنا هناك في العراق، هو ذلك اليقين، بوعي أو عن غير وعي، أن خوف هؤلاء المسيحيين مبرر، فهم أسهل الضحايا، حتى وإن سبقهم شهداء فكر وقضية كفرج فودة ومهدي عامل وحسين مروة وآخرون.
ببقاء هذا الواقع، ولا أرى ما سيغيره في المستقبل المنظور، أتخيل شرقا خاليا من وجود مسيحيين عرب باستثناء، ربما، بعض من محميات سيحافظ عليها كشواهد على تاريخ الأرض والفضاء. أقول هذا وأتأسى، لا من دواع دينية، أو لأنني ولدت فرداً في هذه الأقلية المسيحية، بل من ألم على واقع مرير وغيرة وخوف على مستقبل لا أريده إلا مشعًا حضارة وثقافة وإنسانية لكافة أبناء هذا المشرق العربي، وهذا لن يكون إلا إذا اعتنق وآمن وعمل كل واحدٍ منا على أنه سيد وعبد للنجاة.
