لم تكن المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية ، عبثية ، كما يحلو للبعض تسميتها ، بل كانت مفاوضات جادة ، حقيقية ، تعكس حجم الصراع وتاريخه ومضامينه ، وتناقض المصالح بين الطرفين ، وبين المشروعين ، المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي ، والمشروع الوطني الفلسطيني ، مثلما تعكس رؤيتهما نحو المستقبل ، بعد أن فشل كل طرف منهما ، لهذا الوقت ، في تحقيق كامل أغراضه وأهدافه .
لا المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي ، نجح في إبتلاع كامل الأرض الفلسطينية وطرد كامل لشعبها العربي الفلسطيني ، حيث يواجه معضلتين أساسيتين أولهما وجود مليون وربع مليون عربي فلسطيني في مناطق الإحتلال الأولى عام 1948 أي في الجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل المختلطة ، وثانيهما وجود أكثر من أربعة ملايين نسمة في مناطق الإحتلال الثانية عام 1967 أي في الضفة والقدس والقطاع ، وخلاصة ذلك أن المشروع الإسرائيلي فشل في طرد كل الفلسطينيين من وطنهم مثلما فشل في دمج الفلسطينيين وإلغاء هويتهم ، ورضوخهم له ، وإنهاء صلتهم بالقضية الفلسطينية والتعبير عنها ، بل إن إتفاق أوسلو كأول إتفاق جدي بين الطرفين ، رسخ الإعتراف الإسرائيلي بحقيقة وجود الشعب العربي الفلسطيني ، على أرض وطنه ، وبالتالي فشل الحل الإسرائيلي للقضية الفلسطينية خارج فلسطين ، كما كانت تسعى الحركة الصهيونية وتعمل على ذلك بالتواطؤ مع أخرين ، حين روجت لمقولة الحصول على " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض " .
ومثلما فشل المشروع الإسرائيلي في تحقيق كامل أغراضه لم يفلح المشروع الوطني الفلسطيني في كبح جماح التوسع الإسرائيلي من عام 1948 إلى عام 1967 ، وفشل في نزع الشرعية الدولية والعربية عن إسرائيل ، وفرض العزلة عليها ، وتحديد حدودها وفق المعايير الدولية وقرارات الأمم المتحدة ، قرار التقسيم 181 ، خطوط الهدنة لعام 1948 ، وحتى إلى حدود حزيران 1967 ، مثلما فشلت الحركة الوطنية الفلسطينية في منع التمدد الإسرائيلي عبر الإستيطان وبناء المدن والمستوطنات فوق الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 ، حيث الكثافة العربية الفلسطينية .
والتمدد الإسرائيلي الظاهر الأن يشكل خطراً على معالم القدس وجغرافيتها ومضامينها ، عبر تهويدها ، مثلما يشكل خطراً على منطقة الغور على طريق أسرلتها ، إضافة إلى تقطيع أوصال الضفة الفلسطينية بالمستوطنات كي تفقد تواصلها الجغرافي والبشري وبالتالي تفتقد للسيادة الوطنية المتصلة عليها ، كما فشلت منظمة التحرير في جعل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ، وحدة جغرافية وسياسية واحدة ، حيث تسود ثلاثة معايير سياسية متعارضة في المناطق الثلاثة المنفصلة عن بعضها ، الضفة عن القدس وعن القطاع .
مفاوضات أوسلو 1993 ، كانت المحطة الأولى في مسار المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية ،وهي في نفس الوقت ، الخطوة الأولى العملية في رحلة إستعادة حقوق الشعب الفلسطيني بشكل تدريجي متعددة المراحل .
مفاوضات أوسلو ، لم تكن ، ولم تتم ، لولا بسالة الشعب العربي الفلسطيني وتضحياته ، ولولا بسالة قيادته الوطنية وحنكتها ، ولم تكن لولا تعاظم المكاسب المحلية والدولية التي راكمتها منظمة التحرير ، وواقعيتها هي التي دفعت إسحق رابين لقبول مبدأ التفاوض مع ممثلين عن منظمة التحرير الإرهابية المنبوذة والمرفوضة في ذلك الوقت .
لقد أدت المفاوضات إلى الإعتراف والإقرار الإسرائيلي الأميركي بالعناوين الثلاثة : الشعب الفلسطيني ، منظمة التحرير الفلسطينية ، الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني .
وأدت على أرضية هذا الإعتراف إلى تحقيق عدة أهداف :
أولها : الإنسحاب الإسرائيلي التدريجي من المدن الفلسطينية ، غزة وأريحا أولاً .
ثانيها : عودة أكثر من ثلاثمائة ألف فلسطيني إلى وطنهم وفي طليعتهم الرئيس ياسر عرفات وأغلبية قيادات الحركة الوطنية الفلسطينية .
ثالثها : ولادة السلطة الوطنية على الأرض كمقدمة لبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية .
ولا شك أن عداء اليمين الإسرائيلي ( الليكود ) وعداء اليمين الفلسطيني ( حماس ) لإنجازات الإنتفاضة والمفاوضات وإتفاق أوسلو أدى إلى إحباط إستمرار هذه المفاوضات ومراكمة الخطوات وصولاً إلى كامل الخطوات التدريجية متعددة المراحل ، حيث تم إغتيال اسحق رابين لأنه خان الثوابت الإسرائيلية وفق المعايير اليمينية والمتطرفة ، وأدت سلسلة عمليات حماس إلى تعزيز دور اليمين الإسرائيلي ونجاحه في الإنتخابات عام 1996 ووقف خطوات أوسلو بل والتراجع عن بعضها .
مفاوضات أوسلو نجحت ، لإنها تمت بإرادة الطرفين ورغبتهما ومصلحتهما ، ولم يتدخل فيها ولم يعرف عنها أي طرف ثالث ، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية .
مفاوضات كامب ديفيد في تموز 2000 ، تمت بإرادة أميركية ورغبة منها لفرض الحل على الطرفين ، ولكن الجانب الفلسطيني رفض العروض المقدمة إليه ، لأنها لم تتجاوب مع المصالح الفلسطينية ولم ترتقي إلى مستوى حقوق الشعب الفلسطيني ، ولذلك فشلت ولم تحقق أهدافها بسبب صلابة الموقف الفلسطيني المتمسك بكامل حقوقه ، غير القابلة للتصريف أو التبديد أو التلاشي .
ولذلك لا يعود فشل مفاوضات كامب ديفيد لسبب إسرائيلي أميركي فحسب ، بل يتحمل مسؤوليته أيضاً الجانب الفلسطيني بوعي وإصرار مسبقين ، لأن ما قدم للجانب الفلسطيني مصحوباً بالضغوط وبالإغراءات في نفس الوقت ، لم يقبل بها ، ولم يذعن لها ، فهل يسجل هذا على القيادة الفلسطينية أم يسجل لها ، تاريخاً وبسالة ووعياً ، بسبب تمسكها بحقوق شعبها ؟؟ وهل تلك المفاوضات كانت عبثية أم معركة كفاحية بأدوات دبلوماسية وقانونية وحجج منطقية تنسجم مع حقيقتين هما حقوق الشعب الفلسطيني وقرارات الأمم المتحدة من وجهة نظر المصالح الوطنية الفلسطينية ؟؟
بعد كامب ديفيد ، وإستلام شارون للسلطة في اسرائيل في شهر شباط 2001 ، توقفت المفاوضات حتى مؤتمر أنابوليس ، في 27/11/2007 وعودة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في عهد أبو مازن – يهود أولمرت لتبدأ محطة جديدة ثالثة بعد أوسلو وكامب ديفيد وهي محطة أنابوليس التي قطعت شوطاً عميقاً في التفاوض وتناولت القضايا الجوهرية ، ولكنها لم تُستكمل بسبب رحيل يهود أولمرت عن سلطة إتخاذ القرار في تل أبيب .
