تسير مصر على طريق البرازيل، فثمّة العديد من نقاط التشابه السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ بين البلدين، ومن حيث الموقع الجيوسياسيّ، والثروة والمساحة والكمّ السكانيّ والمستوى الثقافيّ والرقيّ/والتخلّف و... والنزوع نحو الديمقراطيّة والأمن ومستوى العدالة والكرامة و...، واستشراس فساد الرأسماليّين ومؤسّسات الحكم والسلطة، وانفلات الدين السياسيّ و...
حالة العنف والفوضى و"البلطجيّة" والمظاهرات المنادية بالديمقراطيّة والشرعيّة؛ هي طفرة تنتعش ما بين تراكمات كمّية الاستبداد والفساد والبطالة والركود ... وبين تحوّلات كيفيّة نحو الديمقراطيّة والحريّة والعدالة والتنمية... لذلك فهي لا تؤثّر على ثقتنا بقدرة الشعوب، ولن تفقدنا الأمل بشعب مصر العظيم، وبعقلائه وبحكمائه وبقياداته الخلاّقة القادرة على تجاوز المحنة و... وأن تحتذي بالبرازيل.
شعب مصر ليس أقلّ من شعوب نامية نهضت وسارت على طريق الديمقراطيّة وتربّعت على عرشها، وأصبحت لا تفرّق بين حاكم ومحكوم، وبين سيّد ومسود و...
إنّ خرق رئيس البلاد للقواعد الديمقراطيّة التي أوصلته إلى سدّة الحكم، وانتهاكه نزاهة الحكم والدستور، وتصرّفه كرئيس عصابة في غياب وتغييب للسلطة التشريعيّة والقضائيّة، وفشله في إدارة شؤون البلاد؛ يعطي الشعبَ الحقَّ في عزله، ومؤسّسات القضاء أن تحاسبه وتحاكمه محاكمة علنيّة وحرّة وعادلة.
في مصر التي تعيش طفرة ما بعد تراكم الفساد والاستبداد وكمّ الأفواه والإفقار والاستئثار، وما قبل التحوّلات المدنيّة والديمقراطيّة والعدل والنموّ، لم يكن عزل الرئيس حالة شاذّة وغير متوقّعة. لقد جرى مثل هذا العزل، في السابق، في مثل هذه الطفرة، في مصر نفسها، وفي العديد من الدول الأخرى، وخير مثال على ذلك البرازيل؛ إذ ثار الشعب وعزل "فيرناندو كولور ميلو" أوّل رئيس جمهوريّة منتخب بانتخابات ديمقراطيّة بعد سيطرة الجيش على الحكم حتى أواخر سنة 1989، رغم أنف الإدارة الأمريكيّة وتهديداتها بقطع المعونات والمساعدات الماليّة والعسكريّة والفنيّة!
في مصر، ليس غريبا أن تفجّر قيادات عسكريّة ثورات شعبيّة، ففي سنة 1881طالَب ناظر الجهاديّة أحمد عرابيّ (وزير الدفاع اليوم) بترقية بعض الضبّاط، ورفض تنفيذ أمر الخديويّ توفيق بأمر/بطلب من الاستعمار، بفصل ضبّاط آخرين من الجيش، انتفض عرابيّ وقال مقولته المشهورة: "لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثا أو عقارا، فوالله الذي لا إله إلاّ هو، لا نُورَّث، ولا نُستعبد بعد اليوم"، وفجّر أوّل ثورة وطنيّة جماهيريّة في مصر أطاحت بالحكم. كذلك قاد جمال عبد الناصر وحركة الضبّاط الأحرار ثورة 23 يوليو/حزيران 1952 الجماهيريّة الشعبيّة، وعزلوا الملك فاروق، وبنوا الدولة القوميّة الوطنيّة، وتبنّوا المبادئ الاشتراكيّة وطبّقوها؛ فأحمد عرابيّ وجمال عبد الناصر والضبّاط الأحرار كانوا من قيادات المؤسّسة العسكريّة.
المشاركة السياسيّة، في الانتخابات الديمقراطيّة، في الدول النامية متأثّرة ومتداخلة ومرتبطة بالمال وبالدين السياسيّ وبالفساد وبأجهزة الدولة وببعض التشكيلات الاجتماعيّة؛ لذلك مشاركة المواطن في العمليّة الانتخابيّة، لا تعطيه إمكانيّة التأثير في عمليّة صناعة القرار وفي صياغة مبادئ اللعبة السياسيّة؛ بل تبقى هذه الإمكانيّة من اختصاص قيادات الرأسمال، والدين السياسيّ، وبعض التشكيلات الاجتماعيّة التي تحافظ على نفوذها وتغلغلها وهيمنتها المباشرة وغير المباشرة على أجهزة ومؤسّسات الدولة، وعلى دوائر صنع القرار والسياسة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة.
لكن، المشاركة الواسعة للجماهير المصريّة، وخصوصا الشباب، في مظاهرات الميادين؛ هي أكثر تعبيرًا عن رأي الأكثريّة من نتائج الصناديق، وبالتالي هي مؤشّر لاحتمال تراجع الفساد السياسيّ، والحدّ من إحراز المكاسب الفئويّة، والاستئثار بالمناصب، وتقييد رأس المال بالقواعد الديمقراطيّة.
كم تمنّيت أن أكون في هذه المرحلة مصريّا، لأشارك الشعب المصريّ تضحياته وثورته التي تأخذه إلى قمّة الديمقراطيّة، وإلى مستويات سياسيّة واقتصاديّة أعلى من الموجودة في البرازيل. عاشت مصر!
