المصالحة الفلسطينية، النهاية قبل البداية

single

عباس ومشعل.. المرحلة المطلوبة التالية: الحوار الوطني الشامل

  • *من يتوخى التأكد مما إذا كان الاتفاق الأخير سينجح أو يفشل مطالبٌ بأن يقرأ قراءةً متبصرة مواقف الأطراف المؤثّرة في المصير الفلسطيني، الأطراف التي تُعدّ بالعشرات إن لم يكن بالمئات*

هل لاتفاق المصالحة الفلسطيني الأخير فرصةٌ للتنفيذ أفضل من فرص الاتفاقات التي سبقته؟ هل ستشهد الساحة الفلسطينية نهايةً للانقسام الذي أضعفها زيادة على ما كانت ضعيفةً بدونه؟ هل ستُنشئ المصالحةُ إن تمّت الجوَّ اللازم للنهوض من جديد؟ على أي شيء يمكن أن يستند هذا النهوضُ المأمول، أَعَلى برنامج المفاوضات السياسية التي لم تُفضِ إلى شيء بالرغم من امتدادها على مدى عقدين؟ أم على برنامج المقاومة المسلحة التي امتدت عقودا كثيرة ولم تُفض إلا إلى المفاوضات التي لم تُفض إلى شيء، المقاومة التي لم يبقَ منها على أي حال إلا إدعاء أصحابها أنها جارية؟ أم على المقاومة الشعبية السلمية، هذه التي لا يُمارسها في واقع الأمر إلا ناس قليلون، أقلهم فقط هم من يمكن احتسابهم على "فتح" أو "حماس"؟ أم أن أيّ اتفاق مصالحة لن يجد طريقه إلى التنفيذ ولن يُحدث أيّ نهوض إلا إذا انبنى على برنامج مشترك للعمل الوطني لم يبدأ سعاةُ المصالحة، بعد، في التفاوض لصياغته؟
هذه وغيرها مما يماثلها أسئلةٌ كثيرة تنداح في الخواطر كلّما وقع حدث أو قيل قول أو سرت إشاعة يذكّر أي منها بالانقسام ويجتذب الانتباه إلى وجود محاولات لتجاوزه. وقد انداحت الأسئلة ذاتها منذ بدأت اللقاءات بين الرئيس محمود عبّاس ورئيس مكتب "حماس" السياسي خالد مشعل. واشتدّ حضور هذه الأسئلة منذ أعلن عبّاس ومشعل اتفاقهما الأخير وانبرى الفتحاوي عزّام الأحمد من جهة ونظيرُه الحماسيّ من جهة أخرى إلى تأكيد نيّة صاحبيهما أن تكون هذه المرة هي الصائبة.
والواقع أنّ الإجابة على هذه الأسئلة، بعد أن طال تواتُرها والتفكير فيها، يمكن أن تقتصر على نعم أو لا كما يمكن أن تقتصر على الإقرار بعدم اليقين، لو لم يقترن التوصل إلى كل اتفاق سابق بالتفاؤل الذي يتبعه الإحباط وخيبةُ الأمل، دون أن يقول أحد للجمهور ما هي الدوافع الحقيقية التي أملت الاتفاق وما هي الأسباب الحقيقية التي أفشلته قبل أن يجفّ الحبر الذي كتُب به.
فهل يصح أن نقول إن هناك في هذا الأمر ما هو غامض أو ما يمكن إدراجه في قائمة الغرائب التي تَحفل الساحةُ الفلسطينية بكثير منها؟ سؤال آخر قد يجاب عليه بنعم وقد يجيب عليه كثيرون بلا أو بعدم اليقين. أما عندي، فما من شيء على الساحة الفلسطينية يستحقّ أن يُدرج في الغرائب. وكل ما في الأمر أن القرار الذي يرسم صورة هذه الساحة لا يصدر عن طرف واحد أو أطراف إقليمية، بل يَصدر عن أطراف كثيرة كثرةً تجعل التقصّي الذي يوصل إلى المعرفة الصحيحة عملا شاقًا ثبت أن قيادات الشعب الفلسطيني القائمة غير قادرة على القيام به.
لنأخذ موضوع المصالحة مثلا على هذا القول، ولنعدّ، إن أمكن، ما يُجيز المجال الضيق هنا استحضاره من الدول والكتل والقوى والعوامل والظروف والمصالح المتوافقة والمتضاربة التي كان لكل منها دورٌ رئيسي في إحداث الانقسام وظل لكل منها دور رئيسي هو الآخر في إبقائه وتعميقه أو في تجاوزه. إسرائيل وقواها وأجهزتها المتعددة، الولايات المتحدة وحلفاؤها وخصومها، الدول العربية وما يحيط بها وما في كلِّ منها من قوى وما لكل منها من مصالح، كلّ هذا والكثير مما يماثله قبل أن نعدّ التجمعات الفلسطينية المتفرقة والفصائل المتعددة، والكتل والشلل التي داخل كل تجمع وكل فصيل وما بين هذه وبين الدول القريبة من تحالفات وخصومات.
حتى طرفا الاتفاق الأخير، عبّاس ومشعل، لا يستطيع أي منهما أن يؤكد، ولو لنفسه بينه وبين نفسه، أن نواياه الخاصة والحسابات التي يعتمدها هي وحدها التي تُملي موقفه. وإلى هذا، لا يستطيع أيّ من الاثنين أن يركن حتى إلى جماعته، لا حين يتعلق الأمر بما يظن هو أنه يُرضيها ولا حين يتعلق بما يظن أنه يسخطها. وفي قرارة النفس، يبدو أن الواقفَين على قمتي الانقسام، المندوبَيْن لرأب الصدع بينهما، ليسا على يقينٍ من أن ما قرّراه معًا سوف يجد طريقه إلى التطبيق.
وعبّاس، وهو أقرب الاثنين إلى ما يمكن وصفه بالشفافية في الإفصاح عما في النفس، يكاد يُعلن عدمَ يقينه، وهو يكرر الإعلان الذي يشي بعدم اليقين هذا. أليس هو الرئيس الوحيد الذي يقرن كل خطوة يخطوها، مما سيحسبُ نجاحها في عداد منجزاته، بالتأكيد على أنه لن يُواصل مشواره في موقع المسؤولية. ثم ألم ينضم خالد مشعل إلى عباس، ليس في اتفاق المصالحة وحده، بل في التعبير عن عدم اليقين، ألم يجارِ مشعل عبّاس في إعلان امتناعه عن مواصلة اشغال موقع المسؤولية الذي يشغله الآن.
إن من يتوخى التأكد مما إذا كان الاتفاق الأخير سينجح أو يفشل مطالبٌ بأن يقرأ قراءةً متبصرة مواقف الأطراف المؤثّرة في المصير الفلسطيني، الأطراف التي تُعدّ بالعشرات إن لم يكن بالمئات. أما من يطمح إلى ما هو ممكن، فعليه أن يُطالب بالعمل الذي يُوقف التردي، العمل الذي على الأطراف الفلسطينية أن تُبادر إليه. وهذا العمل يبدأ، يبدأ فقط، بالحوار الوطني الشامل بهدف تحديد الهامش المشترك لإنشاء برنامج مشترك للعمل الوطني، وليس مما دون ذلك، بدون البداية الصحيحة، من أين تأتي النهاية الظافرة؟

قد يهمّكم أيضا..
featured

معركة في ظلال اعمدة بعلبك

featured

ليبرمان يحرّض والقافلة تسير!

featured

مونديال افريقيا الجنوبية وبدء نهاية الانظمة العنصرية

featured

"جامعة عربية" فعلاً؟

featured

حول "مؤامرة" كرة القدم

featured

اليسار هو أمل الشرقيين

featured

هل أولياء الامور أولياء؟