تعود الناس ان يضعوا الذهب في المرتبة الأولى بين أشيائهم. والذهب يعتبر عند الكثيرين المعدن المفضل الأول حتى قبل ان غنّت له فيروز "غالي الذهب غالي" فصنعوا منه النقد والسبائك وأدوات الزينة التي يتباهى بها البشر الذكور بينهم والإناث على حد سواء.
كلمة ذهبي أو ذهبية، يضيفها الناس على تعابيرهم ليرتفع سعرها واعتبارها فيقال الجيل الذهبي! الميدالية الذهبية! العصر الذهبي! الفرصة الذهبية! وما إلى ذلك إلى ان قيل "الوقت من ذهب"!! بدليل ان الأمر يتربع على القمة ولا مجال للمزاودة عليه.
الأمر صحيح مئة بالمئة! لان الوقت الذي يمر لا يمكن إرجاعه ولو اجتمعت أهل الأرض جميعًا والشاعر يقول في ذلك:
أمس الذي مرّ على قربه تعجز أهل الأرض عن ردّه
صدق الشاعر ورب الكعبة!! فللمرء وقت وجدير به كمخلوق عاقل ان يستغله بالمفيد من العمل والإنتاج إما لنفسه أو لمجتمعه أو لكليهما معًا.. وإلا ضاع هذا الوقت من يديه سدى وبالتأكيد لن يعود!!
الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال مرة:
"إذا مر بي يوم ولم اتخذ يدًا ولم استفد علمًا.. فما ذاك من عمري"!.
أي ان علينا أن نسعى يوميًا للاستفادة من العمل أو لاكتساب الأصدقاء! وان نبتعد عن التأجيل والتسويف فلا نقول "بكرا سنعمل كذا وكذا" أو "سنعمله بعد بكرا" أو بعد أسبوع وبعد شهر أو بعد سنة أو سنتين لأن المستقبل الذي أجّلنا عملنا فيه مجهول لنا ولا نستطيع اكتشاف ما يخبَّأ لنا!! لسنا وحدنا مع الأيام!! فعلى مسرح الحياة بشر آخرون.. لهم حساباتهم الخاصة ومصالحهم وبالتأكيد يفعلون كل ما بوسعهم ليحوّلوا الأمور في اتجاههم!!
هاكم ترون ان حساباتنا مع الوقت جديّة ويجب ان تبقى كذلك!! يجب ان نستغل الوقت الآن الآن وليس غدًا.. فعلى سبيل المثال، أمور الأطفال لا يمكن تأجيلها مطلقًا، لان الطفل اليوم سيصبح رجلا بعد سنين!! فلا يمكن رد الطفولة إليه مهما رغبنا في ذلك! مثل آخر.. فقد يحدث ان يجمَّد العمل بقانون! أو قد يصدر مرسوم رسمي بمكرمة معينة فيجب استغلالها فورًا لأن التجميد سينتهي بعد وقت محدد والمكرمة أيضًا. والمثل المألوف جدًا في قرانا متعلق بالأرض!! فكم من مرة اعتقدنا ان الأرض الفلانية بريّة ونائية ورخيصة وإذا بها وبقدرة قادر تصبح أرضًا غالية مناسبة للبناء فيرتفع سعرها إلى السماء فتتغير الأمور والاعتبارات!!
الوقت عامل مقرر لكل الناس: للرئيس، للزبال، للتاجر، للفلاح، للطالب وللمعلم، فللجميع الوقت هو الوقت ويوم العمل واحد لهم جميعًا.. يوم يبدأ صباحًا وينتهي مساءً. العلماء والعباقرة والقادة اللامعون عبر التاريخ أنجزوا ما أنجزوه وفرضوا مكانتهم على التاريخ في نفس يوم العمل الذي توفر للجميع..
الأمر نفسه حدث مع الرسل العظام والأنبياء فهدوا الناس إلى عبادة الخالق في يوم العمل الذي امتد ما بين الصباح والمساء!! فلاسفة العصور أمثال أبي العلاء المعري واينشتاين وشخصيات السياسة والحرب كالاسكندر المكدوني وخالد بن الوليد ونابليون بونابارت، للجميع كان يوم العمل متساويًا طوله 24 ساعة.
استغل هؤلاء الوقت أحسن استغلال ثم رحلوا عن الدنيا تاركين لنا مثلا طيبًا كيف ان استغلال الوقت بالشكل المناسب يصنع المعجزات! هلّا تعلمنا منهم؟
(دير الأسد)
