لثورة في واقع العرب: النهر ضد المستنقع

single
  • إزاء النهر المندفع وإلى أي المصائر يمكن أن يحمل المجتمعات. وذلك يدفع كثيرين إلى التجرُّؤ وإعلان الانحياز إلى الوضع القائم، لأن الحفاظ على ما نعرفه رغم شروره، المستنقع رغم تعفنه، أفضل من المقامرة بالانحياز إلى ما نجهله. بعضٌ من هؤلاء يرددون تلك التخوفات بحسن نيةٍ وخوفٍ على المستقبل، وبعضٌ آخر بسوء نيةٍ بكونهم من المنتفعين من العفن المقيم، وحرصاً على من تبقى في سدة الاستبداد ودفاعاً عنه

لا تقع الثورة في مكانٍ ما إلا وتكون شروطها الموضوعية قد تراكمت ودفعت الناس دفعاً إلى تبنيها والانخراط فيها. الثورة، وبالتعريف، مُكلفة، وهي أقرب إلى المغامرة والمقامرة منها إلى أي شيءٍ محسوبٍ بدقة. والميل الإنساني التاريخي نحو التغيير والتخلص من الأمر الواقع الفاسد يفضل الإصلاح التدريجي، إن كان قيد الاستطاعة، على الثورة العارمة. الإصلاح التدريجي يوفر على المجتمعات أكلافاً كبيرة تضطر لدفعها في خضم اندلاع الثورة، ذلك أن الثورة عندما تنفجر مدفوعةً بأسبابٍ حقيقيةٍ تطال شظاياها كل جوانب حياة المجتمعات، وتزلزل ما استقر من زمن طويل. لكن، عندما تنسد كل منافذ الإصلاح التدريجي أو حتى البطيء جداً تجد الشعوب نفسها أمام خيار الثورة بكل أكلافه. بهذا المعنى، تغدو الثورة، وبكونها الحل الأخير، علاجاً بالكي بعد فشل كل أنواع العلاج الأُخرى. 
الثورة تندفع على الوضع القائم الفاسد المُستبد كما يندفع النهر على المُستنقع. المستنقع هو مستودع التكلس والجمود، وتتراكم في أعماقه كل أنواع التعفنات وأمراضها. كلما مر وقت أطول على المستنقع من دون أن يطاله جريان الماء، يزداد تكلساً وتعفناً (بالقبلية والطائفية والفساد والمحسوبية وكل ما صار معروفاً). الشكل الخارجي للمستنقع يوحي بالاستقرار والأمان: حدوده واضحة، وأفقه معروف، ولا حركة فيه مجهولة المسار والمصير. المجتمعات التي تعاني من وطأة الاستبداد الطافح تتحول إلى مستنقعات منطوية على نفسها وعلى أغوارها السوداء. الحرية هي الآلية الوحيدة التي تمنع تحول المجتمعات المستقرة إلى مستنقعات، لأن الحرية كالنهر دائم الجريان يدور في جنبات المجتمع طولاً وعرضاً، ينظف عوالق التكلس، ويندلق على كل بقعة تعفن قد تطاله فيطهرها.
المستنقعات العربية طوال العقود الماضية شلّت المجتمعات، وامتصت ثروات البلاد، واستنزفتها كل طاقاتها. تراكمت طيات العفن فيها إلى درجة الاختناق. ولم تسمح سيطرة حكم الفرد الواحد والحزب الواحد والعائلة الواحدة ببروز أي منافذ حقيقية للإصلاح التدريجي أو البطيء إلا في حالات قليلة. في تلك الحالات القليلة كان يتم تنفيس الاحتقانات ويُترك لجريان الماء، أو بعض منه، كي يعيد الحياة إلى بعض الجوانب الميتة، لكنها حالات نادرة. في معظم الحالات، في المقابل، دافع الاستبداد عن وضع المستنقع كما هو، مبقياً على آليات تراكم التعفن تأكل ما تبقى من الجسم الحي في المجتمع، وتؤبد الإحباط وتبذر بذور الغضب القادم والثورة الشاملة– تستدعي تدفق النهر وفيضانه الكبير حلاً أخيراً ولا بديل عنه.

  • مفترق طرق عسير


وصلنا في المنطقة العربية إلى مفترق طرق عسير: إما التمسك بالمستنقع واستقراره الخادع وتعفنه العميق، وإما الانحياز للنهر المتدفق الذي سيجرف المستنقع ويقضي على العفن. صعوبة الاختيار على مفترق الطرق تكمن في أن نهر الثورة الجارف سوف يندفع بكل الطاقة المكبوته لعقود ولا يُعرف بأي اتجاه سوف يسير بعد جرفه المستنقع، وهنا المقامرة الكبرى. وهنا السبب الذي يعطي منطقاً وأفضلية لأُطروحة الإصلاح التدريجي إن كان حقيقياً وليس تجميلياً ونفاقياً. الإصلاح التدريجي يتفادى المقامرات الكبرى، أو ما يمكن أن ينتج بعد انجراف المستنقع، يمنح الجميع إمكانية الانتقاء والتجريب والتحسين، وبطبيعة الحال الإبقاء على أي إنجازات من حقبة المُستنقع مهما كانت متواضعة. إنه لا يبدأ من الصفر، لا يقيم الدمار والانجراف حتى يبدأ المسيرة الجديدة كما يفعل النهر. في غالب الدول العربية، إن لم نقل كلها، لم تُطلق النخب الحاكمة مشروعات إصلاح حقيقي تحافظ على ما تم إنجازه، وتطلق بها طاقات مجتمعاتها في مناخٍ من الحرية والمشاركة السياسية، وتتفادى غضبة النهر واندفاعه. الإصلاح المُطبق كان دوماً تجميلياً، وقشرته هشة، وفي الجوهر هدفه حماية سياسات المستنقع وتعزيزها. الكل ساهم في الانقياد إلى المأزق والانسداد الكلاني الذي ما عاد يكسره إلا ضربة نهر موجعة، ثورة شاملة، تقلب عالي المستنقع أسفله وتحرره من تعفنه.
إلى أين ستقودنا الثورات العربية؟ أليس من الممكن أن تؤدي بالمجتمعات إلى أوضاع أكثر سوءاً من تلك التي ثارت عليها؟ أليس ثمة احتمال أو حتى احتمالات أن يقودنا فوران هذا النهر غير المنضبط إلى اتجاهات مدمرة أو مجهولة، بعيداً عن طموحات الحرية والكرامة والعدالة التي أسست لكل الثورات وكانت منطلقها؟ ألا يتربص أُصوليون يتنافسون في التطرف على بعضهم البعض للسيطرة على مجتمعات ما بعد الثورة ويقحمونها في عصور مظلمة؟ ألا يعيد الخارج ترتيب أوراقه إزاء بلدان ما بعد الثورات معززاً سيطرته عليها وعلى المنطقة، ومواصلاً هيمنته وربما استغلاله لثرواتها، ولكن بطرق جديدة؟ هذه كلها وغيرها كثير جوانب لسؤالٍ أو تخوفٍ مركزي يردده كثيرون إزاء الثورات، إزاء النهر المندفع وإلى أي المصائر يمكن أن يحمل المجتمعات. وذلك يدفع كثيرين إلى التجرُّؤ وإعلان الانحياز إلى الوضع القائم، لأن الحفاظ على ما نعرفه رغم شروره، المستنقع رغم تعفنه، أفضل من المقامرة بالانحياز إلى ما نجهله. بعضٌ من هؤلاء يرددون تلك التخوفات بحسن نيةٍ وخوفٍ على المستقبل، وبعضٌ آخر بسوء نيةٍ بكونهم من المنتفعين من العفن المقيم، وحرصاً على من تبقى في سدة الاستبداد ودفاعاً عنه.

  • تخوفات مشروعة.. ولكن!


التخوفات تلك، وربما غيرها كثير، مشروعة، وليس ثمة ضمانات مسبقة على المستقبل. لكن، في المفاضلة بين النهر والمستنقع الآسن يجب أن ننحاز إلى النهر. مستقبل المستنقع المتعفن معروف: المزيد من التعفن، ليس هناك نهاية سوى انتظار النهر القادم والمحتوم. مسألة اندفاع النهر في ومن بطن المستنقع ذاته مسألة وقت: إنها تحوم حول متى سيندفع النهر وليس في ما إن كان سيندفع أم لا. في المقابل، وأمام المستقبل الساكن للمستنقع، فإن مستقبل النهر وجرفه للمستنقع مفتوح، مفتوح على كل الاحتمالات. صحيحٌ أن حس المقامرة عالٍ في كل الاحتمالات تلك، لكن لا مناص عن تلك المقامرة. إنها المرحلة التي لا بد لمجتمعاتنا أن تمر فيها حتى تنتقل إلى مرحلة النضج والتسيس والاجتماع الصحي. إذا بقينا نخاف من القيام بهذه النقلة بسبب ضريبتها المحتومة، فإن معنى ذلك بقاؤنا نغوص في مستنقعاتنا للأبد. وإن كان لا بد من ترميز إضافي لجلاء الصورة أكثر، فإن ما يعيننا فيها هو التأمل في مثال الطفل الذي يبدأ المشي للتو، كم عثرةً وسقطةً يواجهها وهو في طريقه لتعلم المشي والانطلاق إلى ما بعدها؟ كم مرةً يبكي، وربما كم مرة يُدمي أنفه؟ لكن، لا بد له من المرور بتلك المرحلة رغم صعوبتها، ذلك أن بقاءه في مرحلة الحبو مسألة ضد طبيعة الأشياء.
 لذلك، فإن الانحياز للثورات العربية، برغم كل ما فيها من اختلالات ومغامرات ومخاطرات، هو انحياز إلى أُفق المستقبل على انسداد الحاضر المستنقعي، كما على أحلام العودة إلى الماضي المحنط، انحياز للحرية والكرامة ضد الاستبداد والذل المستديم. وهو أيضاً، وبوعي كامل، انحياز مقامر في الوقت ذاته، إذ ليس هنا أي قدر من السذاجة أو التساذج يتغافل عن الصعوبات الهائلة التي تواجه مجتمعات ما بعد الثورات في المنطقة العربية. فإسقاط أنظمة الاستبداد هو الشوط الأسهل، رغم صعوبته، وأحياناً دمويته وأكلافه الهائلة، خلال مسيرة بناء مجتمعات ديموقراطية وصحية وفاعلة. الشوط الأكثر صعوبة هو عملية التأسيس والبناء بعد عقود الخراب الطويل. الانحياز هنا يعني الاصطفاف مع التغيير ضد رتابة التكلس وجمود الأوضاع الآسنة. الثورة هي النهر الذي يجرف البرك الراكدة التي عشّش العفن في قلبها، رغم أن ركوب النهر نفسه والتسليم بقياده مخاطرةٌ ومقامرةٌ، أيضاً.
* * *
     إذا وضعنا أنصار ومنظري الأنظمة القائمة أو تلك التي انهارت جانباً، هم ومقولاتهم ودفوعهم عن هذا النظام أو ذاك، ننتهي إلى ثلاثة اتجاهات تجمل النظرة إلى الثورات والانتفاضات العربية في العام 2011، كلٌّ منها يضم طيفاً من الرؤى والآراء. الاتجاه الاول هو التأييد التام الذي يندرج فيه "مديح الثورة"، معتبراً أن التغيير مهما كان ستكون إيجابياته بعيدة الأمد أفضل بكثير من الوضع القائم وقتامته. الاتجاه الثاني يؤيد هذه الثورات في بعض البلدان ويعارضها في بلدان أخرى، متمترساً بمقولة أولوية الاستقرار وأن المقامرة بتأييد الثورات في كل البلدان تؤدي إلى فوضى سلبياتُها ومآلاتُها أسوأ من الوضع القائم. وبشكل أساسي، نجد عند هذا الاتجاه التأييد التام للثورات في "الجمهوريات العربية"، من تونس ومصر، إلى ليبيا وسوريا واليمن، لكن التحفظ والوقوف ضدها في "الملكيات العربية" مثل السعودية والبحرين والأردن والمغرب وعُمَان. أما الاتجاه الثالث، فقد تبلور، أو ربما انشق، عن الاتجاه الأول، خاصةً بعد الثورة الليبية والثورة السورية بزعم أن القوى الغربية أصبحت هي الموجه الأساسي لهذه الثورات بشكل أو بآخر، وأن هذه القوى تحالفت مع أنظمة عربية موالية للغرب، خاصة دول الخليج وتركيا بهدف تعزيز السيطرة الغربية في المنطقة. ولهذا، فقد أصبح الرأي الغالب عند هذا الاتجاه هو الوقوف ضد هذه الثورات في ليبيا وسوريا حتى لو أدى ذلك إلى تأييد الاستبداد في هذه البلدان.
كلٌّ من هذه الاتجاهات يسوق مقدمات وتنظيرات ودفاعات عن موقفه. وكذا هي مقاربات "في مديح الثورة" إذ هي في تنوعها بين المعالجة الموضوعية، والتحليل السياسي والسوسيولوجي، والتأطير التاريخي لحالات الثورات العربية، تنحاز إلى الاتجاه الأول وتدافع عنه: اتجاه المقامرة مع جريان النهر على حساب البركة الآسنة.

 

* مقدمة كتاب "في مديح الثورة: النهر ضد المستنقع" الصادر حديثاً للكاتب عن دار الساقي،  بيروت (2012). تنشر بالتنسيق مع الشقيقة، "الطريق"، إصدار حزب الشعب الفلسطيني

قد يهمّكم أيضا..
featured

نتنياهو والأفكار المنحطّة

featured

يا "بنت الكلب" أيتها الحرب!

featured

قعقور التفاوض وفنار لل OECD

featured

يصرون على مصافحة المدافع ونهج الحروب!

featured

لا يزيده الغياب الا حضورا

featured

العنصرية الجديدة

featured

هناك قوانين يجب رفضها!

featured

الجامعة العربيّة أداة بؤس