يا "بنت الكلب" أيتها الحرب!

single

إذا كان الفيلسوف الصوفي النفري قال: "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"، فعندنا- نحن العرب- اليوم، كلما الرؤية الحياتية والسياسية والاجتماعية ضاقت الرؤية الكلامية، وتحولت إلى مشد ستاتي- يشد أعضاء الجسم. لكن بدلا من إبراز جمال وتفاصيل الحروف والعبارات، يظهر الترهل اللفظي بطريقة تؤذي الأذن..!
قالوا عن العرب الكثير في مجال الحكي والثرثرة، وأكدوا أننا قوم قوالون نجيد رمي الكلام دون التنفيذ، ونفخ الحروف ثم تنفيسها في الهواء دون نتيجة، وإننا على استعداد أن نسجل ملايين القصائد والأشعار في قضية ما دون أن نقاتل وندافع عنها وقت الجد. وقضية فلسطين شاهدة عيان على أنهار الدموع والحبر.
ابن خلدون أكد أنه في انتصار وازدهار الأمم ترتقي العبارة في اللفظ والكلمة والغناء. وهنا نسقط في الفخ والمصيدة. الغناء الذي أصبح هوية الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج. ورغم الربيع العربي الذي ادخل هويتها في الغموض والتشتت والصراع الدامي، إلا ان الغناء بقي فيتامين الفضائيات العربية التي عملت على اصطياد الحناجر تحت عناوين تجارية وبرامج لحث الشباب والشابات على الغناء. أصبح لكل فضائية برنامجها وأرقام هواتفها، وأس. أم. أس. خاص بها، حتى تحولت هذه الأرقام إلى بقرات حلوب ترعى فوق الشاشات لجذب الجيوب تحت مسميات الربح والفوز والتنافس. وعندما يفوز المغني الشاب بعد شد الأعصاب وإدخال الجماهير في تلهف صارخ جنوني، ويضخ الإعلام صوره حتى يتحول إلى سلعة تجدها أمامك كل لحظة حتى يكون الاختفاء، لكن ماكينة الوجوه تعود وتنتج المطربين والمطربات، إلى ان أصبح عددهم يفوق عدد المستمعين أو المشاهدين..!
والهبوط السريع في اللفظ والكلمات ليس مجرد مقدمة عبثية. إنها تدل على الأرضية التي تقف فوقها الجماهير، أرضية رخوة من مميزاتها التردد واللا مبالاة. وإلا كيف نفسر أن الغناء الذي يجب أن يحمل نبض الحاضر بأوجاعه وصموده، بحَيرته وخوفه، بميادينه وشوارعه وطرقاته، بوجوه شهدائه، بجوعه وفقره، بمشاكله الشبابية وهروبه، كيف نفسر الابتعاد عن هذه الأجواء الملتصقة بالدم والخوف والشوارع النازفة، حتى وصلت إلى الكلب؟! ليس معناه أننا ضد الأغاني الموجهة للحيوانات، والتي غالبا تكون للأطفال، لكن حين يربطها الإنسان بالشتيمة والاستخفاف، نشعر أن الفراغ قد تمدد في أعماقنا لدرجة الذهول.
من بعد "الحمار" والحب الشديد الذي أخرج أغنية "بحبك يا حمار" حتى رفعت الحمير الرؤوس وتحول غباؤها إلى حالة نقاش. وها هو الكلب يدخل الغناء على يد مطربة تغني "وين امبارح سهرانة، يا بنت الكلب".. إنها تشير وتقول لها يا بنت الكلب، كأنها في حارة أو زقاق، تردح وتشتم، وتذاع الأغنية..!
اعتقدت في البداية ان المطربة تشتم وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، التي كانت تزور المقاطعة وتتصرف أمام أبو مازن كأنها ولية الأمر. وكذلك تتصرف مع الرؤساء العرب بعنجهية وأوامر خفية، حيث تضرب الرئيس العربي ضربة قاضية، قاضية على كرامته وكبريائه، معلنة أمام مواطنيه أنها الأقوى وهو الختم والخاتم..!
المغنية إياها لم تقل يا "بنت الكلب" لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندليزا رايس، التي تركت خلفها صورا سيئة للمرأة حين تتحول إلى جلاد يتجول بين الضحايا مبتسما ابتسامة ناصعة البياض. وقد رأيناها واضحة في حرب لبنان عام 2006، وقبلها كانت مدلين اولبرايت، والآن القادمة سوزان رايس بدل هيلاري كلنتون. ولم تقلها يا "بنت الكلب" لمرجريت تاتشر المرأة الحديدية، رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، المصابة الآن بالزهايمر، لكن صورها وهي تضحك على مجازرنا وأجسادنا المصلوبة ما زالت راسخة في الذاكرة. لا ننساها، وإذا هي نسيتها وغابت مع ذاكرتها ذات الثقوب البيضاء، فالتاريخ أقوى من الذاكرة..!
"المطربة" بأغنيتها تسأل المرأة "بنت الكلب" أين كانت؟! قد تكون تعمل أو ترقص أو على علاقة مع رجل ولكن لم تسأل المطربة هؤلاء النسوة، أو اللواتي يتحكمن برقاب الشعوب، أين كن؟! وكيف يواجهن العالم بخداعهن، وكيف يخططن، ثم كيف ينسين، يا "بنت الكلب" أيتها الحرب..؟!!

قد يهمّكم أيضا..
featured

بنيامين غونين شيوعي أصيل يستحق كل التقدير والتكريم

featured

العنف ضد النساء، خيوط متعددة للجريمة

featured

رثاء صديق وزميل

featured

الشرط الضروريّ لتصفية الانشقاق

featured

لمحاربة ظاهرة العنف في مجتمعنا

featured

زنوبيا تكسر أغلالها