أوقفني على الرصيف في يوم قائظ من أيام آب اللّهاب الذي لم نعرف حرّا حارقاً مثل حرّه وقال لي: ألا ترى ما يحدث في مجتمعنا؟ ألا تضايقك مكبرات الصوت التي تبث الأغاني المائعة حتى ما بعد منتصف الليل ولا تسمح لنا بالراحة أو بالنوم أو بالحديث مع بعضنا البعض أو بشرب فنجان قهوة على الرايق؟ ألا يزعجك إقفال الشوارع العامة من أجل اقامة حفلات الأعراس ومن أجل السحجة و"خيال يطارد خيال" غير اخذين بعين الاعتبار راحة الناس وحاجة الناس؟ هل هناك عاقل يغلق شارعًا رئيسيًا؟ تصور أحد سكان البلدة مصابا بنوبة قلبية وقد استدعى الطبيب أو أحد أقربائه سيارة اسعاف أو سيارة للعلاج المكثف فكيف تستطيع السيارة أن تدخل الى الحارة وتصل الى بيت المريض؟ أظن أن المريض سينتقل الى رحمته تعالى ويصل الى العالم الاخر قبل أن تصل سيارة الاسعاف؟
وهنا شعر محدثي أنني متضايق من الحر ومن أشعة الشمس الحارقة ومن خماسين شهر آب التي جاءت متزامنة متماهية مع صيام شهر رمضان فقبض على راحتي وجرّني الى ظل شجرة زيتون معمرة ما زالت باقية وتشهد أن كرم زيتون كان هنا قبل سنوات وتابع حديثه: بالله قل لي ألا يزعجك صوت الدراجات النارية والتراكتورونات (هذه البدعة الحديثة) التي يقودها فتيان مرد بسرعة جنونية في شوارع البلدة وكأنهم في ميادين سباق أو كأنهم يقولون: يا أرض أشتدي ما عليك حدا قدي!؟
ألا تشاهد مقاهي النراجيل العديدة المملوءة بالشبان؟ هل أصبحت حضارتنا وثقافتنا حضارة وثقافة ومددية النرجيلة؟ وصارت حياتنا كما تقول الأغنية: دوّرها دوّرْ دوّرْ واعطيني شحطة فبل ما تيجي تيجي الشرطة!
وأراد محدثي أن يستمر في تعداد الظواهر السيئة التي تقلقه وفي ذكر المثالب التي استفحلت في مجتمعنا لولا أنني قاطعته قائلاً: أشاطرك الرأي والقول ولكن يا عزيزي هل تعتقد أن مقالاً في الجريدة سوف يؤثر على ذلك السلوك السيء ويقومه للأفضل ؟
أجابني بحزم: طبعا سيؤثر على البعض على الأقل.
قلت: ولكن هؤلاء الناس الذين يزعجوننا بمكبرات الصوت والذين يقفلون الشوارع الرئيسية لاقامة أفراحهم وأعراسهم والذين يقودون الدراجات النارية بسرعة جنونية وبدون رخص قيادة وبدون تأمين والذين يحتشدون في مقاهي دورها دوّر واعطيني شحطة وأمثالهم لا يقرؤون صحيفة ولا مقالا ولا كتابا لأن من يقرأ الصحف والكتب لا يفعل مثل هذه الموبيقات!
أبتسم محدثي وقال: ألم تقرأ الكتب المقدسة التي دعت الكافرين والمنافقين الى الايمان فهل يقرأ هؤلاء الناس هذه الكتب؟ أعتقد أن المتدينين والمثقفين أيضا هم قراؤها. ألآ تقرأ الروايات الأدبية العالمية والعربية التي تصور الرذيلة كي يشمئز منها القارئ ويبحث عن الفضيلة؟ومن يقرأ شعر الحكمة وقصائد الصوفيين؟ . أعتقد يا صديقي أن الكتابة تؤثر وتؤثر ولا بد أن تؤثر على المجتمع وعلى الناس عامة.
قلت مرتاحا: لولا أنني أؤمن بتأثير الكلمة ولولا أنني أعرف معنى أن يحارب الكاتب بقلمه وكلمته ولولا أنني أدري بأن قرّاء محترمين يقدرون كلماتي لما كتبت. فصباح الخير لقراء الاتحاد وصباح الخير لهذا الصديق الغيور .
