مع انهيار وسقوط "الاتحاد السوفييتي" سابقًا في العام 1991، خسرت روسيا دورها الاستراتيجي في الشرق الأوسط لسنوات، ولكن بفضل دهاء وحنكة وبُعد نظر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بدأت تستعيد دورها وفرض وجودها من جديد على الساحة الدولية. فقد ارتفعت مكانتها وتأثيرها في مجرى السياسة العالمية في المنطقة، وخاصة بعد نجاح الدور السياسي والدبلوماسي الذي لعبته في تجنيب سورية الضربة العسكرية الأمريكية، ولا تزال تلعبه لمنع تفتيتها، في الوقت الذي تعكف فيه الدول الكبرى على تطوير استراتيجياتها للتعاطي مع مرحلة المخاض السياسي، بعد الانفجارات الشعبية العربية، وتأثيراتها المستقبلية على ميزان القوى الإقليمي.
لقد شكّل موقف روسيا تجاه الأزمة السورية بوابة الدخول الثانية في تعميق وتعزيز دورها ونفوذها في منطقة الشرق الأوسط، حيث وقفت بكل إمكاناتها الدبلوماسية والسياسية واللوجستية إلى جانب النظام السوري. وعندما اتخذ مجلس الأمن قراره ضد الحكومة السورية، استخدمت روسيا حق النقض "الفيتو" ضد أمريكا، وبذلك فرضت نفسها على المعسكر الغربي كقوة عظمى، وأنهت دور القطب الواحد في العالم وأصبح هناك قطبان، الأمريكي والروسي. وبفضل هذه الخطوة الشجاعة والجريئة أعادت نفسها وبقوة إلى الساحة الدولية كلاعب مركزي وأساسي قوي في مواجهة راعي البقر الأمريكي الداعم لقوى الإرهاب والتطرف في سوريا، ماليًا وعسكريًا وإعلاميًا، سعيًا لتدمير وتخريب سورية وزلزلة دمشق الأبيّة وبلاد الشام حتى يتم تهميد وضرب أقوى قوة عربية في المنطقة، وجلب كل أوساخ الأمة وإرهابييها وزرعها فيها.
ومن جهة أخرى سحبت روسيا البساط من تحت اقدام أمريكا، حين تحالفت مع حليف رئيسي هام لها هو مصر، وذلك بعد توقيع الاتفاق بين بوتين ووزير الدفاع المصري المشير عبد الفتاح السيسي خلال زيارته الأخيرة لروسيا، ويبدو ان مصر بدأت تغير تحالفاتها مع المعسكر الغربي والسير في ركب المعسكر الشرقي.
ما من شك أن روسيا فرضت نفسها وحضورها كلاعب رئيس على الساحة الدولية، وصار يحسب لها ألف حساب، بمواقفها من الأزمة السورية والوقوف بوجه أمريكا وأطماعها وعملائها في المنطقة، ونجحت في قلب موازين القوى العالمية، وكل ذلك بفضل سياسة ورؤية الرئيس بوتين، الذي تعلم من دروس وتجارب وأخطاء الماضي. ولذلك فإن أمريكا تحاول جاهدة خلق المشاكل في روسيا، وتأجيج الصراع في سوريا كي ينتصر المحور الأمريكي ويسقط النظام السوري. ولكن هيهات، فالمشهد الماثل أمامنا هو صمود النظام وانتصارات يحققها الجيش السوري على فلول المعارضة المسلَّحة بكل مركباتها ومسمياتها، وصارت روسيا رقمًا صعبًا في المعادلة السورية لا يمكن تجاهله واستبعاده وتخطيه والقفز عنه، في رسم ملامح مستقبل الشرق الأوسط، هذه المنطقة الحيوية من العالم.
