هل يعلم الشيخ تاريخ ودور هذه الصحيفة في توعية وبقاء الجماهير العربية ؟ هل يعرف أن هذه الصحيفة كانت وما زالت، منبرا حرًا لكوكبة من ادباء فلسطين؟ هل يعلم بأن هذه الصحيفة منع صدورها لأكثر من مرة وبأن العدد الأول من صحيفة الاتحاد قد استهل بآية قرآنية؟.. هنالك تاريخ سجلته هذه الصحيفة ومهما ازداد عدد ساعات وقوفه على المنبر لا يستطيع أن يمحو هذا التاريخ!
منذ ان نشأنا على هذه الدنيا ونحن نعلم ان لإمام المسجد دور هام ومركزي في تعليم الناس ما جهلوا من أمور دينهم، وله دور هام في المنحى الاجتماعي والديني. وكثيرا ما يردد الناس أقوال ومواعظ خطبة الإمام باعتبارها مرجعية يجب أخذها بعين الاعتبار. وكان هذا النهج مقبولا ومعمولا به حين كان إمام المسجد بعيدًا كل البعد عن العمل السياسي في الساحة المحلية وكان إمامًا لكل الناس على اختلاف آرائهم ومشاربهم السياسية .
فعلى سبيل المثال كان في قرية سخنين سابقًا رجال دين لهم مركزهم الاجتماعي ومرجعيتهم الدينية ولم يتدخلوا إطلاقا في الخلافات السياسية، باعتبار ان الدين أكبر بكثير من ان يخدم غاية وحزبًا سياسيا . وبهذا يزداد الدين وقارا واحتراما .
فما زالت سخنين تذكر الإمام ناجي غنامة والإمام يوسف الخطيب والكاهن يوسف الخوري والإمام علي صالح ابو ريا لانهم اتصفوا بموضوعية وإنصاف ولم يفضلوا طائفة على آخرى ولا حزبًا على آخر . أعمالهم كانت نبراس خير وتقوى . هكذا نشأنا ووضعنا الدين في موضع الاحترام بعيدا عن التلوّن السياسي. ولكن ان يتم تسخير الدين لصالح أجندة حزب سياسي ذي لبوس ديني، فأمر مرفوض، لا سيما اذا كانت أسلحته من سيرة دينية وقصص الخلفاء الراشدين والصحابة، نحو صدر جهة يشهد لها الجميع بالوطنية والتضحية.فهذا ما لا يرضي الله ورسوله والمؤمنون.
وكي لا يبقى الحديث بالعموميات سأسوق مثلين اثنين وأتحاور من خلالهما مع بعض الأئمة، لأترك للقارئ حرية الحكم :
* عندما وضع أحد المصلين وهو عضو في تنظيم الجبهة، صحيفة "الاتحاد" الى جانب صحف نهاية الأسبوع الأخرى عند مدخل المسجد ليصطحبها الناس معهم عند انتهاء الصلاة ومغادرتهم المسجد، أغاظ هذا العمل إمام المسجد ولم يرق له الأمر وأنشأ خطبة جمعة كاملة متكاملة ليهاجم من خلالها صحيفة "الاتحاد" وقرائها، دون أن يتعرض لباقي الصحف والإعلانات التجارية الموضوعة عند مدخل المسجد.
وهنا أريد ان أحاور سماحة الشيخ :- هل يعلم تاريخ ودور هذه الصحيفة في توعية وبقاء الجماهير العربية ؟ - هل يعرف ان هذه الصحيفة كانت وما زالت، منبرا حرًا لكوكبة من ادباء فلسطين أمثال : عبد الكريم الكرمي ( ابو سلمى )، راشد حسين، محمود درويش، توفيق زياد، سميح القاسم ، محمد علي طه، أميل حبيبي، سالم جبران، حنا ابراهيم وغيرهم... ؟ هل تعلم ايها الشيخ بان هذه الصحيفة منع صدورها لأكثر من مرة (بأمر من رئيس الحكومة) بحسب قانون الطوارئ . وذلك باعتبار أن هذه الصحيفة هي الوحيدة التي حرصت على صوت الحق وصوت الكرامة الوطنية منذ ليل النكبة الحالك مرورًا بأيام الحكم العسكري ومجزرة كفر قاسم إلى يوم الأرض وحتى أحداث اكتوبر. وهل يعلم بان العدد الأول من صحيفة الاتحاد قد استهله رئيس تحريرها الأول حينذاك المرحوم أميل توما بآية قرآنية "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ " . آية 17 من صورة الرعد.
وهنا لا بد من همسة بأذن الشيخ بأن هنالك تاريخًا سجلته هذه الصحيفة بحزبها وجبهتها ومهما ازداد عدد ساعات وقوفه على المنبر لا يستطيع أن يمحو هذا التاريخ.
* تقوم الشبيبة الشيوعية وجبهة سخنين منذ حوالي ثلاثة عقود بتنظيم مخيم للأطفال في سخنين خلال العطلة الصيفية. ولهذا العمل الرائع تتهيّأ كوادر الجبهة في سخنين من أجل رسم البسمة على شفاه أطفال المدينة، من مختلف العائلات والطوائف والمشارب السياسية، فتجد المخيم كخلية نحل تعج -عدا عن الأطفال أنفسهم - بمئات أخرى تشمل المرشدين،المتطوعين، عمال المطبخ،الطواقم الطبية، العاملين الاجتماعيين، وطلاب الجامعات والأهالي . كل ذلك مع فعاليات ترفيهية، برامج ومضامين وطنية، أممية وإنسانية. وكل من يزور أرض المخيم يشهد بان مخيمًا بهذا الحجم تعجز عن إقامته سلطات محلية ومؤسسات غنية تنظيميًا واقتصاديا. والسلطات لا تقوم بهذا الدور كجزء من سياستها العنصرية ضدنا جميعًا.
لقد استغرب الكثير من سكان مدينتي عندما سمعوا إمامًا - نجلّه ونحترمه- يكرس خطبة الجمعة كاملةً في التحريض على مخيم الجبهة ويعظ الناس " بالا ترسلوا أبناءكم الى مخيمات تتبع لأحزاب انهارت في الغرب وما زال البعض هنا يتغنى بها" !!
وقد خرجت جموع كثيرة من المصلين مستاءة من هذه الموعظة خاصة وأنهم إما ينتمون للتنظيم السياسي الذي عناه الشيخ في خطبة الجمعة، وإما هم أصدقاء يكنون له الاحترام. ولقد ترفع المصلون عن التعبير عن غضبهم خلال الخطبة "لئلا تبطل صلاتهم" بحسب القوانين والأعراف الدينية. وربما تساءلوا : هل انهيار تلك الأحزاب كان لمصلحة جماهيرنا وقضيتنا الوطنية أم خدمة لمحتل بلادنا ومستغل خيرات امتنا!!
وهنا أيضًا لا بد من محاورة الشيخ : هل رسم الابتسامة على شفاه الأطفال هو ذنب لا يغتفر ؟ هل تذويت قيم العطاء والتطوع لدى شبابنا تحت شعار " أتطوع لبلادي لا لجلادي " هو معصية ؟ هل إطلاق أسماء "حق العودة"، " بواسل ناجي العلي"، " بواسل توفيق زياد"، " أشبال فلسطين"، "هنا باقون"، "بواسل محمود درويش"، " الشجرة" على 24 خيمة هو أمر يعد "من الكبائر"؟ هل استضافة سبعة عشر طفلا يفترشون الأرض ويلتحفون السماء من قرية العراقيب في مخيم جبهة سخنين هو "فحشاء ومنكر" ؟
خلاصة القول :
ألم يحن الوقت بأن يعرف أئمة المساجد بأنهم يسيئون للدين الحنيف حين يقحمون السياسة المحلية في مواعظهم الأسبوعية ؟ ألم يحن الوقت لأئمة المساجد بأن يعلموا ان جمهور المصلين على علم تام بأنهم يتبعون لحركة سياسية لا يمثل برنامجها كل الناس ؟ هل يعلم أئمة المساجد بأن المنابر التي يقفون عليها قد شُيّدت بدعم أهل الخير من كل شرائح المجتمع على اختلاف آرائهم السياسية بمن فيهم الجبهويون ؟!
آن الأوان يا اخوتي الأئمة الا يُغمز جانب حركة سياسية عريقة "كتغماز التين".
فطالما أن قضيتنا بجوهرها واحدة، تعالوا ايها الشيوخ الأفاضل لنؤسس لثقافة الاحترام المتبادل والمحبة الحقيقية بين الناس، كي تمكث مواعظكم في الأرض ولا تتبخر كزبد البحر. وحقيقة أن هنالك الكثير من المواد والمضامين التي تصلح لأن تكون محاور لخطبة الجمعة توحدنا كمجتمع يناضل من أجل المساواة والسلام ويصبو إلى التقدم والرفعة.
سخنين
