ليس من السهل على إنسان يفقد عزيزا في ريعان الشباب وفي ظرف قاس معقد كما حدث في الأقصى المبارك المحتل، ويتحلى بالوعي الضروري والمسؤولية المطلوبة وفي ذروة الحزن وألم الفقدان. هذا ما كان في حرفيش والمغار من ذوي الشابين، كنت هناك وسمعت وشاركت وتكلمت بمنتهى المشاركة ومنتهى الصراحة، ولاقى موقفي القبول التام والاحترام.
ويبدو أن المسجد الأقصى المبارك المحتل سيظل محتلاً في ظل سياسة العدوان والاحتلال التي تنتهجها اسرائيل، وفي ظل الدعم الأمريكي، وفي ظل حكم حامي الحرمين الشريفين وحكم رئيس لجنة تحرير القدس وأمثالهما، خاصة في زمن نظام ترامب ونتنياهو ولقاء الرياض المدفوع الأجر بهذه الفخامة وهذه الجامعة للنظم العربية.
ويُسأل السؤال: لماذا هذا الموت الكثير جدا بين الجنود الدروز وهو أضعاف نسبتهم!! والجواب واضح، وهو جزء من المخطط الإجرامي السلطوي الصهيوني الإسرائيلي للاستمرار في عملية فصل الدروز عن شعبهم وأمتهم وحتى عن إنسانيتهم. ولا يجب ان يغيب عن بالنا تصريح أحد رجال السلطة الاسرائيلية في رومانيا قبل سنوات والذي وصل الى رتبة رئيس ووزير عندما قال: "جنودنا اليهود حضاريون مهذبون، اما هذا الطيش والمُنكر فهو من الجنود الدروز"، جرى يومها استنكار متواضع جدا لهذا التصريح لا يتلاءم أبدًا مع حجم جريمته وسمومه.
الحكومات الإسرائيلية تريد من الدروز ان يكونوا قوزاق القيصر، يلتهب العدوان الإسرائيلي على لبنان فهناك مكان الجنود الدروز كما حدث في صور. يلتهب العدوان على غزة فإلى هناك، في الضفة والجولان كذلك الأمر، يوضعون في المواجهة، وفي الجنازات نسمع كلمات الإطراء من ممثلي الحكومة والجيش ووسائل الإعلام الرسمية الماهرة في الانتقاء، جنازة الجندي الدرزي هي ربيع رجال الحكومة ووسائل إعلامها وزلمها، كلهم يصبون الزيت على نار الألم والفقدان وتحويلها ليس الى سياسة الاحتلال والإجرام ولا حتى الى القضاء والقَدَر بل الى ضحايا الاحتلال. ويكون البدء بتجنيد زلم السلطة من الدروز وإظهار الغيرة الدرزية الفوّارة وتوتير الجو وهم من السماسرة والفسّادين والمنتفعين.
الفسّاد على أبناء بلده الدروز يغار على درزيته، والسمسار الذي سمسر ويُسمسر على ارض أبناء عشيرته الدروز يُظهر غيرة صاخبة وهكذا المنتفع والعميل. أية مصداقية لنخوة وغيرة السمسار والفسّاد والعميل والخائن لمصالح بلده وطائفته على الأقل، ولخص الأمر بهذا الإطار الطائفي الضيق، أي مصداقية للذي درّب قوات الكتائب وعملاء اسرائيل من لبنان في ارض الخيط الدرزية المصادرة المسروقة!! أية غيرة وأي تعاطف للذين يؤازرون قوى الإرهاب في سوريا ضد شعبهم وضد جبل العرب بالذات في هذه الأيام، ويتمثل هؤلاء الدّون بمحبة سلطان الأطرش واسمه الشريف الشامخ ومسيرته وسيرته السامية وانتمائه الأصيل!!
هؤلاء الدّون هم قلة قليلة لكنهم من انتقاء وسائل الإعلام الرسمية وكأنهم قادة هذه الطائفة المنكوبة بهم وبأسيادهم، هم في قمة الإعلام الرسمي الهادف والموجَّه والموجِّه وهم في الحضيض بكل ما يتعلق بالمصالح الأساسية للدروز، لا نراهم في ميادين النضال ضد مصادرة الأرض وهدم البيوت، وإن حضروا فلإفشال النضال وإطلاق الوعود الكاذبة وامتصاص النقمة.
وهناك طبعا عدد من الشباب المضلَّل والساذج من ذوي الرؤوس الحامية الذين يستغلون ادوات التواصل الاجتماعي ويطلقون الشتائم والكلمات القذرة حتى التهديد. إذا كان صاحب المصاب وصاحب الشأن يقول لكم خسِئتُم فلماذا لا تخسأون!! لماذا لا تصمتون!!
واسمحوا لي ان أقول لكم: لو كان هنا حكم عربي اضطهادي وعَفن ايضا لرأيتم أذناب اليوم، أذناب اسرائيل في مصاف أذناب العرب، فهذا دأب وعادة من ذوي النفوس الوضيعة!!
هل الرصاصة اللبنانية او الفلسطينية مثلا وهي تقاوم الاحتلال تعرف الجندي الدرزي من اليهودي او البدوي!! هل الدرزي مُستهدف لأنه درزي!! هذا وهمٌ مزروع.
سمعت ان السيد وليد جنبلاط وردّا على ما حدث في الأقصى المبارك المحتل قال: ارفضوا الخدمة في الجيش، وهنا يلتقي مع أهم مطلب للجنة المبادرة العربية الدرزية وهذه اللجنة اول تنظيم درزي رفع ولا يزال يرفع هذا المطلب العادل ويناضل من اجله، على ذلك نقدّر ونحترم موقف السيد وليد جنبلاط.
ونحن نعرف انه ليس من السهل رفض الخدمة العسكرية الإجبارية والعقوبات المترتبة على ذلك، مع ان المئات خاضوا هذه التجربة المشرفة ودفعوا الثمن، لكن على الأقل تعالوا نطالب الآن رسميا وشعبيا وقانونيا وحقوقيا وأخلاقيا بعدم الخدمة العسكرية في المناطق المحتلة، فسكان وأهل المناطق المحتلة هم أبناء شعبنا وأمتنا وهناك شباب يهود شجعان من الفتيات والشبان، يرفضون الخدمة في المناطق المحتلة، لو كان عند السلطة شيء من الضمير لفعلت ذلك لكن يا طايل الدّبس من .... لأن هذا يتناقض مع مخططها الإجرامي.
وطالما هذا الوضع على ما هو عليه، وطالما سياسة الاحتلال والعدوان قائمة، وهذه هي القضية الجوهرية، ستنتعش المقابر العسكرية وبكل ألم حقيقي. في قريتي مقبرة عسكرية واسعة للأموات، اما للأحياء ومنهم جنود مسرّحون فلم تتوسع خارطة البناء منذ عشرين سنة والحبل على الجرّار.
الجندي الدرزي القتيل بطل في نظر السلطة، أما الشاب الحي الذي يطالب ويتظاهر ضد الهدم وضد المصادرة فعندها نحن برابرة، ومشاغبون ومتطرفون وهدامون وشيوعيون ومخربون ومعادون للدولة.. وأنا والحمد لله من هذه القائمة الطويلة وغيري كثيرون. فنحن نمثل المصالح الأساسية لعشيرتنا ضد التجنيد، وضد فصلنا عن شعبنا وأمتنا ولغتنا وتراثنا. نرفض ان نكون عكاكيز لهذه السلطة الغاشمة ونناضل ضد الحرب والاحتلال والاستيطان والاضطهاد والتمييز هذا هو الطريق لحقن الدم ولا طريق آخر.
لكن إذا كان أذنابنا هم رؤوسنا فمن الطبيعي ان نمشي لوَرا، وهذا هو واقعنا، فنحن بحاجة الى الرفض وثقافة الرفض، نرفض الفتنة ونرفض السبب، نرفض هذا المخطط الإجرامي وعندما يبطل السبب تنتهي النتيجة.
وأخيرًا نضالنا نضال سياسي مع ابناء شعبنا هنا في وطننا وهو نضال مدعوم من القوى التقدمية اليهودية، ولنا تجربة غنية في معركة البقاء والصمود واستمرارية البقاء والعيش الكريم، وحبذا لو نكون محصنين من الثلاثي الذي صنع النكبة والنكبات، الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية وأموالها الدنسة.
ومن تجربتنا الغنية نقول للشباب: لا تقعوا في فخ الفتنة المدمرة، فالكل سيكون من ضحاياها، صُبّوا اهتمامكم بصُنع مستقبلكم على أرضكم في العِلم والبناء والعيش الكريم، اكثر نسبة ارض صادرتها السلطة من الدروز، اكثر نسبة مخالفات وغرامات بين الدروز بحجة البناء غير المرخص من يمنع السلطة بكل أذرعها من لجان التنظيم الى دائرة حماية الطبيعة من توسيع مسطح البناء ومن تصنيع قرانا ومن فتح أبواب الوظائف المدنية والقائمة طويلة..
إحذروا الفتنة والداعين اليها: "فمتى اراد الشيطان القيام بأخبث الخطايا صوّرها في البدء بأجمل الصور".
