الجاحدون

single
في الستينيات من القرن الماضي كُنَّا قلّة قليلة في معاهد وجامعات إسرائيل.. وكانت أسواق البطالة مُشرعة لغالبية خرّيجي الثانويات من العرب.. كان الفراغ يدفع أبناءنا إلى إدمان المحرّمات والمحظورات.
في تلك الأيام كانت فروع الدراسة الأكاديمية على قلتها غير متاحة لأولادنا، ناهيك عن الحاجة والضائقة المالية وتعقيدات وتقييدات الأحكام العرفية المُنغِّصة لنا جميعًا.. هكذا وَجَدَ خريجونا أنفسهم مدفوعين إلى سوق الضياع.
في حوْمة القلق وارتباك الأهل حول مستقبل أولادهم، سمعنا عن طلاب يذهبون إلى روسيا وأقطار شرق أوروبا.. كان الحزب الشيوعي يُرتّب لهم أماكن الدراسة الأكاديمية المجانية.. وهكذا انتشلت تلك المعاهد أعدادًا كبيرة من شبابنا وشاباتنا من وُحول البطالة والضياع. لو لم تكن صدور المنظومة الشرقية مفتوحة لتجرّع أبناءُ الفقراء مرارة الجهل والأمية وسقطوا في غياهب الانحراف وتمرّغوا في بؤر المخدرات..
في رحاب تلك الجامعات وعلى مقاعدها كان لأبنائنا الماضي الجميل.. وسؤالي اليوم: هل يُقدّم من تخرّج وتميّز وعاد إلى أهله.. هل يقدّم وفاءً لذاك الماضي الجميل؟!
عندما استعرض أسماء الكثيرين من خريجي جامعات الشرق الذي كان اشتراكيًا، وأتابع مسالكهم السياسية والاجتماعية في أيامنا هذه، أجدهم بين الذين يُغرّدون خارج السرب الوطني بل يحملون العِداء لفكرٍ لولاه لما نالوا في العلم ما نالوه من شموخ ومعرفة وثبات وطني!
وفاءً لماضينا الجميل علينا ان نناهض مظاهر اغتراب أجيالنا عن تاريخهم وتسفيه الذين ناصروهم للبقاء على ارض الوطن.
إن فضل الشيوعيين علينا وعلى أولادنا كبيرٌ كبير ويجب الا يلوكه النسيان.. بفضل سعيهم بقينا في الوطن، وبفضلهم تعلّم أبناؤنا وخرجوا من دوائر الظلام إلى دوائر النور.
عشية كل انتخابات محلية وقطرية يَلفّني الحزن والاكتئاب وأنا اسمع أحاديث المنقلبين على الحزب والجبهة.. مهاترات وعبارات مسكونة بروائح الجحود والتلوث الفكري.
أليس عارًا أخلاقيا وقوميًا أن نبصق في البئر التي شربنا ماءها زلالا، وفي الصحن الذي لولاه لخوت معداتنا وتضورنا جوعًا!!
أليس عارًا أن نكون جاحدين حاقدين ناكرين ومتنكرين لمن زرع جمالا فكريًا وقوميًا في انساغ حياتنا؟!
في محضر هكذا جاحدين تُصبح أرضنا أرضا جحِدة أي يابسة لا خير فيها.

قد يهمّكم أيضا..
featured

السياسة الأمريكية في جنوب آسيا بين الاستعداء والاستجداء

featured

"كلنا في خطر.. والعنف سيقتلنا كأمة وكحضارة..."

featured

ملكيات ديمقراطية وجمهوريات منتخبة

featured

هدف ذاتي يُحدِث هزة أرضيّة وإعصارًا سياسيًّا

featured

على بركة الله يا محمد بركة

featured

الواقع فايغلين

featured

69 عاما للنصر على النازية

featured

"كل الداير معانا ونخسر الدّق"