من الاحتفالات تحت العلم الاحمر
الأفكار النازية لم تمت، وعوامل بقائها موجودة، ولكن عوامل هزيمتها موجودة أيضا
قاوم العرب واليسار العربي بالذات الأفكار الفاشية منذ ظهورها وكبروا لدحرها عندما هزمها الجيش السوفييتي الأحمر
تحتفل الشعوب في جميع أنحاء العالم وخاصة قواها التحررية والعمالية والمحبة للسلام والعدالة الاجتماعية بمرور 69 عاما على دحر النازية ( 9 أيار 1945- 9 أيار 2014م )، ورفع العلم الأحمر السوفييتي على الرايخستاغ الألماني الذي مثَّلَ الوحش النازي مصّاص دم الشعوب، مستغلا كلمات قمة في الإنسانية مثل الاشتراكية والوطنية، جيل كامل من اليهود ومن العرب (1)الذين كانوا في ألمانيا الهتلرية ومن الشيوعيين ومن الغجر وغيرهم رمى بهم الوحش النازي في غياهب الموت دون رادع من ضمير ودون تفكير بمصير هؤلاء ولا بأبنائهم ولا ببناتهم.
لم يفكر هتلر وزبانيته من العنصريين الحاقدين على الشعوب بالشعب الألماني نفسه بل دفعوا به إلى غمار الحرب العالمية الثانية الطاحنة، ليشغلوا شعبهم بدمه وبتمزيق أشلائه على صخور كريت ورمال ليبيا وعلى أراضي الاتحاد السوفييتي الدولة الاشتراكية الأممية الفتية، التي رسمت خطا جديدا لتطوير بلادها بعد نجاح ثورتها ثورة أكتوبر 1917م، هذه الثورة التي فتحت أمام شعوب العالم قاطبة أبوابا من الأمل في غد مشرق يشمل البشر كل البشر، غد أممي لا يسأل عن دين ولا قومية ولا طائفة بل يهدف سعادة الكون والبشرية.هذه هي الأفكار العظيمة التي أراد الفكر القومي المتطرف والغطاء الاشتراكي الأجوف التي أرادت النازية قبرها.
ولكن 9 أيار 1945م يوم استسلام القوات النازية للقوات السوفييتية وقوات الحلفاء المناهضة للنازية سيبقى يوما مشهودا لشعوب العالم المحبة للسلام والديمقراطية وحرية الشعوب، لأنه لو نجح الهتلريون في تحقيق أطماعهم كلها وأقاموا الإمبراطورية الجرمانية النازية التي يريدونها، لما سعد الشعب الألماني، كما لم تكن تسعد غيره من شعوب الإمبراطوريات.
إن النازية تحاول استغلال الفكر القومي باعتبارها طريقا لنهضة قومية، ونحن نعتقد أن الفكر القومي المتطرف، كل فكر قومي متطرف هنا وفي المانيا وفي كل أنحاء العالم، وفي ظروف أزمات اقتصادية شديدة قد يُستَغل ضد الشعوب وضد مصالحها الحقيقية ويقود للتثقيف الفاشي والعنصري وبالتالي النازي.
إن قوى النازيين الجدد في أوروبا تنمو وتتطور في ظل أزمات اقتصادية خانقة تصيب بعض الدول الأوروبية مثل اليونان وحتى ألمانيا نفسها، وكذلك في ظل تثقيف قومي تقوده هذه القوى للتطرف بحيث يصبح عنصريا بدلا من أن يكون مدعاة للاعتزاز القومي الإنساني والمبني على احترام الآخر وكل القوميات باعتبارها متساوية وباعتبار أفرادها متساوين مع جميع البشر كل البشر.
إن الحروب وزعزعة الواقع المعاش في الكثير من البلدان بطرق غير ديمقراطية تؤدي إلى ظهور التطرف بشتى أشكاله القومية والدينية واحتلال أراضي الغير بالقوة يكون أرضية خصبة لنمو الأفكار العنصرية والدينية المتطرفة التي تقود إذا لم تلجم إلى نوع من الفاشية والنازية الحديثة.
*الحروب والاحتكارات والافقار*
يقول الكاتب اللبناني التقدمي رئيف خوري في مقال له في مجلة الطريق اللبنانية العدد 21 في 15-12-1942م " إن النازية ليست طريقا لنهضة قومية، وهتلر لم يقصر في الاجرام ضد الشعب الألماني نفسه، وضد الأمة الألمانية. بل إن أفاعيله بالشعب الألماني هي من المقاييس الأولية التي تحكم حكمنا على الفوهور ونظامه. يسمعنا بعض هذا القول: إن هتلر غير مكلف أن يكون إنسانيا في سلوكه تجاه الشعوب. ولكنه مكلف أن يكون خادما صالحا للشعب الألماني "(2).
فالحروب التي تشن بين الشعوب بإرادة الاحتكارات الرأسمالية، واحتلال أراضي الشعوب، والأزمات الاقتصادية التي تغني عادة الأغنياء وتفقر الفقراء والتحريض العنصري والتطرف الديني والتطرف القومي كل هذه عوامل هامة قد تقود بعض البلدان لتقوية العناصر النازية والفاشية الجديدة على اختلاف تسمياتها.
وفي المقابل في تراصِّ قوى السلام والديمقراطية في جميع أنحاء العالم، وإحقاق سلام الشعوب بحق الشعوب، وحق تقرير المصير حتى الانفصال لكل شعب وقومية، ودحر الاحتلال كل احتلال أجنبي لأي شعب وخاصة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967م، واحترام الشعوب الأخرى فالناس كل الناس سواسية بإنسانيتهم وبانتمائهم للجنس البشري، والتثقيف للتسامح واحترام الآخر، وتوفير أسباب العيش الكريم لكل البشر في كل دولة ودولة وبمساواة تامة بين الأفراد من حيث المبدأ الأساسي، والعدالة الاجتماعية كل هذه عوامل تبعد الأفراد والمجموعات عن الأفكار العنصرية المتطرفة والأفكار النازية التي ترفع رأسها في بعض الأماكن من هذه الأرض الطيبة.
يحاول البعض في بلادنا هنا اتهام العرب وخاصة الفلسطينيين بالتقرب من الفاشية والنازية، وذلك في أحيان كثيرة للبطش بهم وتبرير ظلمهم واحتلال أراضيهم، ولكن الواقع الموضوعي يثبت أن العرب بمثقفيهم الثوريين قاوموا الأفكار النازية والعنصرية منذ اطلعوا على الأفكار وبعضهم اكتوى بها وتكونت في لبنان وفي العراق بالأساس عصبة مكافحة الفاشية وكان من جملة من حضروا مؤتمر بلودان القومي المهندس أنطوان ثابت أمين السر العام لعصبة مكافحة الفاشية الذي قدم للمؤتمر خطابا هاما "ولكن الخطاب لم يقرأ بل أخفته بعض الأيدي الأثيمة التي يعز على أصحابها فضح المستعمرين الفاشست والدول الفاشستية "(3) وقامت مجلة الطليعة اللبنانية اليسارية من خلال عناوين ومقالات متعددة بفضح الفاشية مثل: الفاشية ألد أعداء العرب والشعوب المستعبدة ومقال لرئيف خوري بعنوان "نحن والفاشية" يفضح فيه الفاشية، ومقال بعنوان "هل الفاشية حقا وطنية؟" و"هل الفاشية مخاصمة للاستعمار؟ و"الفاشستية والصهيونية " وأبرزت جريدة صوت الشعب في أواسط أيار 1937م نشاط " عصبة مكافحة الفاشستية في لبنان "التي سميت فيما بعد وبعد توسيعها بـ" لجنة مكافحة الفاشية " والتي تأسست سنة 1935م وعقدت مؤتمرها في بيروت في 6-7 أيار 1939م حضره 250 مندوبا يمثلون 32 هيئة من الشخصيات السورية واللبنانية (4).
ممن كتبوا ضد الفاشية وفضحوا مركباتها السياسية والفكرية والاقتصادية في تلك الفترة: الأديب اللبناني رئيف خوري، الأديب والشاعر إلياس أبو شبكة، وفرنسيس جرداق، والكاتب الأديب توفيق يوسف عواد، والنقابي العريق مصطفى العريس، ميشال بدورة، وغيرهم.
أما الشعراء فكان في مقدمتهم شاعر العراق الأكبر محمد مهدي الجواهري الذي هتف بانتصار الجيش السوفييتي على النازية ونشرت قصائده وحفظها المثقفون عن ظهر قلب في تلك الفترة.
في هذه الحقبة التاريخية كم نحن بحاجة لرص الصفوف فكرا وممارسة بين أفراد كل الشعوب لاستجلاب الأسباب الأخلاقية والاقتصادية والسياسية للانتصار على كل الأفكار العنصرية والفاشية وظواهرها في عالمنا اليوم، بالامكان الانتصار من حيث بدأت ثورة أكتوبر ومفاهيمها الإنسانية الخلاقة، وكل يوم نصر على النازية وشعوب العالم أكثر تحصينا في وجه هذه الآفة.
إشارات:
1- أنظر كتاب غرهرد هوب – (2006)، العرب في المحرقة النازية ضحايا منسيون؟!، ترجمة محمد جديد، إصدار قدمس للنشر والتوزيع دمشق، سوريا. (ربما أعود للكتاب في وقت لاحق)
2- العكاري ظاهر ( ك1 1975م)، الصحافة الثورية في لبنان 1925-1975م، إصدار دار الفارابي بيروت، لبنان.
3- المصدر نفسه ص205.
4- المصدر نفسه ص267.
(عرعرة – المثلث)
