حياة الإنسان تبدأ ترابًا وتنتهي ترابًا. لقد تعلّمنا في الكتب السماوية أننا من التراب والى التراب نعود.. في حضرة الموت نُردد هذا الكلام كي لا نستعظم الفراق وكي يطيب لنا رحيل الأحباء إلى حيث لا وجع ولا خوف ولا تنهّد.
عندما وقفتُ أمام نعش نمر مرقس وجدتُ نفسي أبتهل بصمت وأردد بخشوع زجلا لشاعر لبنانيّ استعذبُ إبداعه.. انه إيليا أبو شديد الذي أبدع ما عنونتُ به هذه الصباحية.
في سيرة حياته (عن ما أحبَّ ومن أحب) أراد نمر مرقس ان يؤكد لنا أن حبّه هذا عصِيٌّ على النسيان.
من يخطُ كما خطا ومن يعلُ كما علا حاملا قيم الوطن وكرامة الناس لن تلفّه سُحب الصدأ والغبار. الصدأ والنسيان أبدًا مهزومان في محضر وفاء ونقاء الإنسان.
عندما عانقتْ عيناي آلاف العيون المودّعة الدامعة، عانقت رجلا علَّم الناس ان يكونوا حُشدًا على الحق.. مُعلّمًا أبعدوه عن طلابه وصادروا دروسه فخرج حاملا صليبه ليزرع آراءه في مدرسة الحياة. تحلّق الناس حول نعشه ليقولوا: لن ننسى ما زرعت في العقول من مبادئ الاستقامة الوطنية والدعة ونظافة اليد.
أثناء قيادتك مجلس بلدتك لا ينسى احد شباب اليوبيل أو بالأحرى شباب النخوة الذين اندفعوا متطوعين بدعمك لتعزيز البنية التحتية بناءً وأعمال صيانة. لا ينسى احد انه على امتداد خدمتك لم تضعف أمام التحديات ولم يعرف رأسك الانحناء.. لقد واجهت سياسة التمييز الجائرة وحاربتها مع حزبك وجبهتك بكل ما أوتيت من ثبات وصواب فكر، وبكل ما تدفّق في عروقك من قيم إنسانية وحسّ وطني.
لم يعرف أبو نرجس الانويّة.. لم يعرف انشغالا بالذات.. لقد أسمى كبرى كريماته (نرجس) لكنه كان أبعد الناس عن النرجسية.. لم ينتظر راتبًا لرعاية ذاته.. لم يخطر بباله ان يسكن بيتًا فخمًا بديع البناء أو يمتطي صهوة سيارة فارهة. علَّمته القيادة ان يفكر بالمحتاجين وان يشد من أزر أولاد المعوزين.. علمته القيادة ان يحارب قبائح الفساد ويحرص على أموال العباد. محاربو الفساد والحريصون على أموال العباد هم جماعة الأوفياء الذين نحني لهم الهامات.
يا رجلَ الوفاء.. في هذا الأسبوع سيضيء محبوك شمعة لعيد ميلادك الثالث والثمانين.. لم يُتح لك الموت إطفاء شمعتك هذه، لكنها ستبقى كمصباح لا ينطفئ فأنت الذي أضأتَ لشعبك الطريق وأحببت خير الناس على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم.
أيها الراحلُ الكريم.. (ترابك عم يمشي).. ترابك (أقوى من النسيان).. أسكنك الله الجنة بين الأبرار وأبعد عن شعبٍ أحبك وأحببته مكائد الأشرار.