حققت إنتفاضة الشعب المصري يوم 25 كانون ثاني يناير ، وإحتجاجاته المتواصلة ثلاثة أهداف مباشرة تتمثل بما يلي :
أولاً : إستجابة الرئيس مبارك لشطب فكرة التمديد ، وإنهاء ولايته بدون تجديدها كما كان يحصل من قبل ، وتعيين نائب للرئيس ، مما يفتح المجال لنقل السلطة بشكل سلس وسلمي .
ثانياً : شطب فكرة التوريث وقطع الطريق على ترشيح إبن الرئيس جمال مبارك .
ثالثاً : قبول إجراء التعديلات الدستورية على المواد المعيقة لتداول السلطة من خلال صناديق الإقتراع ، بإعتبارها الأداة الدستورية والديمقراطية لعملية الإنتخاب .
إضافة إلى هدفين أخرين لا يقلان أهمية عما تم تحقيقه بشكل معلن ومتفق عليه وهما :
أولاً : إعادة التأكيد على التعلم من تجربة الثورة التونسية والإستفادة منها ومن نتائجها بإعتبارها صاحبة المبادرة العربية الأولى في القرن الواحد والعشرين ، عبر الإعتماد على أسلوب الثورة الشعبية المدنية ذات الطابع السلمي ، وألية عملها ، بالمظاهرات المكثفة والإعتصامات الطويلة ، وبدون التصادم مع الأجهزة الأمنية والجيش ، مما يعزز من فكرة الثورة الشعبية السلمية وتوسيع دائرة إنتشارها لتصل إلى باقي حلقات النظام العربي ، ذات الطابع التسلطي غير الديمقراطي .
ثانياً : الإحاطة من هيمنة التيار الأصولي على مسار ومقدرات ونتائج الإنتفاضة الشعبية بإعتبارها إنتفاضة ذات تطلعات ديمقراطية تؤمن بالتعددية وتتمسك بها ، وبما يتعارض مع قيم الأصوليين غير الديمقراطية ، ولهذا إنتزعت لجنة الحكام المصرية قراراً من حركة الإخوان المسلمين بعدم ترشيح رئيساً للجمهورية خشية هيمنتهم على الحياة السياسية والإستفراد بها كما حصل في إيران وقطاع غزة ، فالإنتخابات بالنسبة لهم لمرة واحدة ، ذلك أن الأنظمة غير الديمقراطية في العالم العربي أفرز أيضاً أحزاباً أصولية غير ديمقراطية وكلاهما ( النظام العربي والأحزاب الأصولية ) من إنتاج الحرب الباردة ( حركة الإخوان المسلمين ، ولاية الفقيه الشيعية ، تنظيم القاعدة وحزب التحرير الإسلامي ) .
لقد تأخرت الثورة الشعبية في تونس ومصر وباقي البلدان العربية أكثر من عشرين سنة ، حين إنطلقت الإنتفاضات الشعبية المتكررة في بلدان أوروبا الشرقية مع نهاية الثمانينات ونهاية الحرب الباردة ضد تسلط الحزب الواحد والنظام الإشتراكي غير الديمقراطي وتغيير نمط الحياة في تلك البلدان من اللون الواحد ، نحو التعددية وصناديق الإقتراع .
البلدان العربية عاشت في ظل أنظمة بوليسية متفاوتة وبات إستحقاق التغيير قائماً فيها وملحاً ، ولا فرق فيما بينها سوى بالدرجة ، فلا نوعية متقدمة لنظام على أخر ، بل ثمة نظام عربي يتقدم على غيره بدرجات ، سواء كانت جمهورية أو ملكية .
الإستحقاقات المطلوبة من النظام العربي تتمثل بهدفين لا ثالث لهما ، الأول : أن تكون أنظمته الجمهورية الرئاسية منتخبة عبر صناديق الإقتراع ، ولديها تداول سلطة ، ونظام ديمقراطي تعددي يُلغي نظام الحزب الواحد والقائد الملهم والزعيم الأبدي ، ورفض فكرة التوريث كما حصل في سوريا ، وكما كان يمكن أن يتكرر في مصر واليمن ، والثاني : أن تكون أنظمته الملكية ذات حكومات برلمانية منتخبة تقوم على الأغلبية البرلمانية .
لقد أيقظت ثورة تونس ومصر الشعبيتان ، وعي الشعوب العربية على حقوقها الدستورية ، مثلما دفعت حكوماتها لإعادة النظر في سلوكها التسلطي ، مستدركين أهمية تقديم تنازلات مسبقة على الطريق الصحيح ، خشية إنفجار ثورات مماثلة على أراضيها ، فها هو الرئيس الجزائري يعمل على إلغاء نظام الطوائ ، والرئيس اليمني يُعلن أن لا توريث ولا تمديد ، وفي الأردن يتم فتح الحوار مع قوى المعارضة ويقر الملك بضرورة صياغة قوانين عصرية للإنتخابات والإجتماعات العامة ، ولم يكن ذلك ليتم لولا النقلة النوعية التي حصلت في تونس ومصر ولن تتوقف ليتسع مداها لتشمل النظام العربي برمته ، وها هي بوادر الإندفاع تُشعل شموعها الأولى في الجزائر واليمن والسودان وسوريا وغيرها من بدايات مظاهر الإحتجاج على غرار التجارب التونسية والمصرية .
في قراءة للتجربتين التونسية والمصرية ، يمكن ملاحظة ثلاثة عوامل صنعت التغيير ، ويتوهم من يعتقد أن هناك عامل واحد صنع التغيير وهو " الإنتفاضة الشعبية " وأن الإنتفاضة وحدها صاحبة القرار وأداة التغيير .
صحيح أن الشرارة والعمل والتضحية ، تم من قبل الشعب وهذا ضروري وهام ، وبدونه لم يتم التغيير ولن يتم ، ولكنه عامل غير كاف وحده لتحقيق الهدف ، بل إحتاج لعوامل أخرى مساندة لا تقل أهمية عن العامل الشعبي الأول .
أما العوامل الأخرى المساندة فتتمثل بعاملين مهمين هما :
أولاً : دور الجيش الذي كان في تونس كما في مصر ، دوراً رادعاً للمتطرفين مثلما كان دوره حامياً للمنتفضين ، ففي تونس خرج الجيش إلى الشوارع لحماية المؤسسات والحفاظ على النظام من التفكك ، خشية من إنهيار الدولة كما حصل في العراق ، ولقطع الطريق على الأصوليين المتطرفين من الإستيلاء على مفاصل الدولة ، مثلما حمى الجيش جحافل المحتجين في الشوارع ورفض قمعهم ، مما صاغ شعار" وحدة الجيش مع الشعب " ، بدون أن يتسلم الجيش السلطة علناً ومباشرة ، ولكن كان دوره خلفياً ومسانداً بدون أن يتقدم لفرز قائده ، كقائد للثورة ، على غرار الإنقلابات العسكرية التي حدثت في الخمسينات والستينات والسبعينات ، حيث كان الجيش وحده أداة التغيير ، وكان في ذلك الوقت يضمن مساعدة أو دعم دولي من واحد من الطرفيين إما من السوفييت أو من الأميركيين ، أما اليوم ، فلا مجال ولا شرعية لأي إنقلاب ، ولا أمل للجيش للسيطرة على مقاليد السلطة ، كما كان يحصل ، بل فرضت معايير الحاضر لأن تكون وظيفة الجيش حامي للنظام الدستوري وللتغيير الذي يقوده الشعب وقياداته المدنية .
أما العامل الثاني المساند للتغيير وإنتفاضة الشعب التونسي والمصري فهو القرار الدولي ، الصادر من قبل الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا ، فقد كان للقرار الأميركي الأوروبي الدور الأساسي في رفع الغطاء عن الرئيس التونسي ، وعن الرئيس المصري ، وفي ردعهما عن قمع المنتفضين في شوارع تونس والقاهرة وفي حشد الجيش وحثه على حماية عملية التغيير ، وفي ضبط إيقاعها ، حتى لا تتحول الثورة الشعبية من ثورة مدنية سلمية ، إلى ثورة دموية عنيفة ، ومن ثورة ديمقراطية تعددية ، إلى ثورة أصولية حزبية أحادية ، ومن ثورة ستعتمد على صناديق الإقتراع وما تعززه ، إلى ثورة تتحكم فيها قوى أصولية هي الأقوى تنظيمياً في الشارع ، تتحكم برقاب الناس وتقتلهم وتعدمهم كما حصل في إيران وقطاع غزة ، حيث سيطرة الأصوليين على مقاليد السلطة والتحكم بمفاصلها بشكل يمنع التعددية ويرفض الإحتكام إلى صناديق الإقتراع .
التجارب المرة لولاية الفقيه الشيعية في إيران ، ولحركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة ، وللقاعدة في أفغانستان ، لا يوفر الفرصة للطمأنينة لأي حزب أصولي من الوصول إلى السلطة ، فإذا كانت الأنظمة القائمة غير ديمقراطية فإن تحكم الأحزاب الأصولية يفرض إستبداداً أشد وتخلفاً أكثر رجعية و " كأنك يا أبو زيد ما غزيت "
h.faraneh@yahoo.com
الأحد 6/2/2011
