كنا في الصغر، لكي نتخلص من ألمنا ومعاناتنا من جرّاء مرضنا أو جرحنا، نلجأ إلى بناء قعقور ليعثر به أحدهم ويهدمه ويأخذ عنا معاناتنا...، وكنا نؤمن بأننا شفينا بفضل القعقور. والقعقور هو برج من الحجارة الصغيرة، يبنى حجرا فوق حجر حتى ارتفاع نصف متر تقريبا، وهو يشبه القعقور- الإناء، كالزير الصغير، الذي يستعمل لحفظ الزبدة والسمن والعسل و...
في سنة 1945 ترأس فارس الخوري (كان أشغل عدة مناصب في الدولة السورية من رئيس الوزراء ووزير المعارف والداخلية إلى رئيس مجلس الأمن في عام 1947) الوفد السوري إلى منظمة الأمم المتحدة، التي تمّ تأسيسها في العام نفسه، ليطالب بجلاء الاستعمارين الفرنسي والانجليزي عن سوريا ولبنان، رغم ادعاء كل من الاستعمارين، بأنه سيبقى في المنطقة ليضمن استقلال سوريا ولبنان من الاستعمار الآخر!
قال فارس الخوري في خطبته أمام مجلس الأمن : "إن أحد الدمشقيين تسلل في إحدى الليالي إلى أحد منعطفات المدينة، حيث جمع بعض الحجارة، وبنى قعقورا ووضع فوقه فنارا مضاءً، سأله الناس عن سبب وضع الفنار المضاء" (لأن القعقور كان مفهوما ومتبعا-ر.ك.) . أجاب: "لئلا يعثر المارة بالقعقور". قالوا: "ولماذا بنيت القعقور هنا"؟ قال : "لكي أضع الفنار فوقه" .
ففهم مجلس الأمن أنه ليس مهمًا، أي الاستعمارَيْن هو القعقور وأيّهما الفنار، بل المهم أن يجلوا عن المنطقة .
لقد بنت الإدارة الأمريكية قعقورا من المفاوضات المباشرة أمام الفلسطيني فقط، واليوم جاءت إدارة أوباما لتضع فوقه فنارا من المفاوضات غير المباشرة بين القيادة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية!
لماذا الآن وبهذه السيرورة والعجلة؟!....... شو هالفنار الحلو!
كان من الضروري لإسرائيل البدء بالمفاوضات غير المباشرة قبل اجتماع ممثلي 31 دولة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- OECD، الذي سيصوّت على انضمام إسرائيل إلى المنظمة.
والله صحتين يا نتنياهو! لعبتها حلو! ضغط هنا وهناك ، وجلسة سرية هنا وعلنية هناك، ووعد استيطاني لهذا وتطميني لذاك، وتهديد وترغيب! المهم أن تبدأ المفاوضات المباشرة قبل اجتماع الـ OECD....
وكان الانجاز الهام، وغدا الحلم حقيقة، صوتت المنظمة بالإجماع على انضمام إسرائيل واستونيا وسلوفانيا إلى المنظمة . لا تسألوني عن التحفظات المطاطية! لا احتلال وقمع يعرقل، ولا قعقور فلسطيني يعثّر أعضاء المنظمة ليأخذوا ولو بملاحظة أو بإشارة المعاناة الفلسطينية!
لا شك بأن انضمام إسرائيل إلى نادي مجموعة دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية - OECD، هو مكسب سياسي هام (عقبال عندكم يا عرب)، لقد بذلت إسرائيل جهودا جبارة في سبيل ذلك، اعتقدنا لسذاجتنا وعلى أمل أن يكون انضمامها مشروطا بتنفيذها لقرارات الشرعية الدولية وبإنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية .
لكن إسرائيل تعرف من أين يأتيها الفرج- فرج الرجعية العربية.
أعرف أن هناك فلاسفة تدّعي: أن لا بديل للمفاوضات غير المباشرة! وكأن النضال لا يسير إلا باتجاه واحد، إما مفاوضات وإما مقاومة! وأي مفاوضات؟! وكيف ومتى واستنادا على ايش!!
ليذهب قعقور المفاوضات العبثية وفنار غير المباشرة، الذي لا يعثّر إلا القيادة الفلسطينية إلى الجحيم .
ألمفاوضات غير المباشرة الحالية استنفدت شرطها وحققت هدفها بانضمام إسرائيل المحتلة إلى منظمة الـ OECD، والوسيط الأمريكي لن يجتهد كثيرا في تجهيز التهمة للمفاوض الفلسطيني واستثمارها في قعقور آخر ليعثر به الفلسطيني وليتحمل نتيجة ومسؤولية فشل المفاوضات!
لا بديل للفلسطيني عن الوحدة والمطالبة بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية وعن الضغط على مؤسسات الأمم المتحدة بمقاومة بلعين- نعلين والدول الصديقة وعلى طريقة فارس الخوري! علّنا بهذا نبني قعقورًا بدون فنار للقيادة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية لنتخلص ولو وهميا من ألمنا!
