اللغة العربية لم تسلم من السطو والتحريف (لافتة مصحّحة في الطريق إلى قاهرة نابليون)
العنصرية الجديدة لا تعرف حدودًا ولا تختبئ وراء الأكمة. ترفع رأسها وتنقض علانية لكي تلدغ ما ترتأيه. العنصرية الجديدة لا تعرف الأعراف ولا الحقوق ولا الأخلاقيات. لا تعرف المعايير الدولية ولا تلك الإقليمية أو الجماهيرية. عنصرية قبلية عمياء، تحتذي بقانون الغاب. العنصرية الجديدة توسع من نفوذها وتسقط القناع تلو القناع عن أصحابها، من الجدد والقدامى على السواء.
كان هناك من أعتقد أن نزعات العنصرية الجديدة قد ولت عن هذه البسيطة مع بداية الألفية الميلادية الثالثة، وأن التحدي الحقوقي القادم يكمن في مواجهة "العنصرية الخجولة"، التي تتستر بأوراق التوت. لكن يبدو أن هناك من يصرّ على أن يلعب بالأوراق المحروقة، ليحاول أن يعيد عجلة التاريخ إلى الوراء، و"كأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا". في حين يتطور خطاب العالم نحو حقوق الإنسان وأخوة الشعوب والمصالحات التاريخية، يسعى أصحاب العنصرية الجديدة ليس فقط إلى الصدام والى سلب الحقوق وقمع الشعوب، بل إلى تزوير التاريخ أيضًا. إنهم يسيرون بعكس اتجاه عقارب التاريخ والقيم الإنسانية.
ولكن هيهات. لم يكن استعمال اللغة العربية في البلاد عامة، وعلى اللافتات العامة خاصة، منّةً من الوزراء والمسئولين، بل جاء ثمرة نضال جماهيري وقانوني خاضته جماهيرنا طوال عشرات السنين، بشق الأنفس ودون انقطاع حتى يومنا هذا. ولم تسلم لغتنا يومًا من محاولات السطو والتحريف والعبرنة. أسماء البلدان والشوارع والوديان هي في صميم المركبات المؤسِّسة في الهوية الجماعية لجماهيرنا ولشعبنا، كما لكل مجموعة قومية أصلية. أهل البلد الأصليون يرتبطون بهذه الأسماء وجدانيًا ووطنيًا وعاطفيًا. هذه الأسماء تحمل لغة أهل البلاد الأصليين وامتداد تاريخهم فيها.
الكتابة على اللافتات العامة هي جزء لا يتجزأ من الحيز العام المشترك لكافة المواطنين بالدولة. يضع المواطنون هذا الحيز "كوديعة" بأيدي الدولة لكي تقوم الأخيرة بالتصرّف بها لخدمة عموم المواطنين، أصحاب الوديعة، على أن يكون هذا التصرف خاضعًا لقواعد المساواة والعدل والإنصاف التاريخي، مدنيًا وقوميًا. اللافتات العامة هي جزء من المشهد الثقافي والقومي في الدولة، والتي عليها بالتالي أن تلتزم بالحضور الجماعي المتكافئ للمجموعات القومية الثقافية ضمن هذا المشهد.
أسماء البلدان والشوارع والوديان محفورة على كل ذرة من هذا التراب الذي لا تراب لنا سواه. صحيح، قد لا يفهم أصحاب العنصرية الجديدة قوانين الحقوق والحريات، لكن حريٌ بهم أن يتذكروا قوانين الطبيعة، والتي بحسبها لا يبقى في الوادي إلا حجارته.
* باحث ومحاضر في الحقوق. مدير "دراسات" – المركز العربي للحقوق والسياسات
