*رغم نفوري وتحفظي على نصوص الرواية في العديد من المواضع لكنها تبقى رواية قابلة للنقاش والحوار بالرفض او القبول ولا يمكن ان تبلغ حد الإلغاء او المنع كما ذهب اليه الرقيب الذي لا يمكن فهمه او تبرير منعه، لان الشخص الوحيد المخول لرفض الرواية او قبولها هو القارئ نفسه*
رواية عادية جدا، بسيطة بلغتها، خالية من الصور والمشاهد الجمالية في البناء اللغوي، فيها الكثير الكثير من المبالغة في طرح المشاهد والصور المركبة للرواية ،ولكن فيها الكثير من الجرأة وربما الكثير من الواقعية عن صورة المجتمع الفلسطيني وحياة الياس في ظل الحصار، تستطيع هذه الرواية ان تخرج الرقيب الفلسطيني عن طوره وتفقده توازنه وتجره الى المحظور ادبيا واخلاقيا في واقع الشعب الفلسطيني بمنع الرواية ومصادرتها من الأسواق في سابقة غريبة ومرفوضة جملة وتفصيلا، لان شعبا يبحث عن الحرية وهو تحت الحصار لا يمكن ان يقوم هو بنفسه بكم الافواه ومنع حرية الرأي وحرية الكلمة.
شدني ولا ابالغ ان قلت صعقني امر الرقابة الفلسطينية بمنع رواية الروائي عبّاد يحيى "جريمة في رام الله" وقلت في نفسي، أي جريمة ارتكبت جريمة في رام الله حتى يتم منعها؟ فرحت ابحث عنها بأي وسيلة، فلم أجد صعوبة في الوصول اليها رغم المنع، انتهيت من قراءتها الكترونيا وهي المرة الأولى التي اقرأ فيها كتابا ليس ورقيا، وهذا بالنسبة لي ميزة جيدة لصالح الرقابة بالإضافة الى ارغامي على البحث عنها وقراءتها.
وفي استعراض سريع للرواية يمكنني ان أسجل الملاحظات التالية والتي قد تكون صادمة للبعض في مجتمع عربي فلسطيني محافظ، وباعتقادي ان الكاتب يطرحها بجرأة كبيرة وتحدٍّ نادر امام مجتمع محافظ يرفض ان ينشر غسيله الوسخ امام الجميع، ولكن رغم نفوري واعتراضي وتحفظي على نصوص الرواية في العديد من المواضع ولكنها تبقى رواية قابلة للنقاش والحوار معه بالرفض او القبول ولا يمكن ان تبلغ حد الإلغاء او المنع كما ذهب اليه الرقيب الذي لا يمكن فهمه او تبرير منعه، لان الشخص الوحيد المخول لرفض الرواية او قبولها هو القارئ نفسه.
يعمد الكاتب الى نقل مقاطع إخبارية في مقدمة كل فصل من فصول الرواية، هذه المقاطع حسب رأيي لا تمت بصلة لما تطرحه الرواية من مواضيع، ووقفت بحيرة كبيرة عن سبب طرحها حتى نكتشف الواقع المر الذي تعيشه شخصيات الرواية بانسلاخها الكلي عن الواقع المعيش محليا وعالميا، وهذا الامر يشي بسر الشخصية المركزية التي تحاول ان تجد مبررًا لوجودها ودورها في المجتمع فلا تجد غير التهميش الواعي وغير الواعي فلا يبقى امامها الا حالة الضياع في ظروف سياسية واجتماعية قاسية جدا.
وفي الصفحات الأولى للرواية يقدم لنا الكاتب شخصية قروية ضعيفة مهزوزة تبهرها المدينة، يقول على لسان البطل "قبل ساعة كنت أعيش بلا أب فعلي، أبي البيولوجي تقاعد، وأبي الوظيفي (اخوه) استقال حين رزق بأبناء وامي انحشرت في حدود القرية، الآن انا بأبوين وام يريدون وصاية كاملة" "ص: 59" هذه الشخصية تبحث عن الدنيا في رام الله فتكتشف عالما وتدخل في وحل المدينة، وتغوص في المحظور فتقع ضحية الواقع، ويقع الكاتب ضحية الرقيب.
هذه الشخصية تبحث عن ذاتها، تبحث عن مكان لها في المجتمع ،من خلال تعرفها على "دنيا" الفتاة والتي باعتقادي تمثل الدنيا او الحياة والتي لا يعرف عنها شيئا فتتحول عملية البحث الى ازمة اجتماعية وسياسية ترافقه حتى نهاية الرواية "اول ما فكرت فيه ان دنيا يجب ان تأتي من مكان بعيد، بعيد جدا وكأنها نقطة ظهرت من العدم" ص 15 ويعود بالصفحة التي تليها ليؤكد "دخلت مرحلة يمكن تسميتها بـ " الجري خلف دنيا " " ص 16" ويخلص الى نتيجة مفادها كما يقول بطل القصة "منذ بدأت اجري خلف دنيا، فقدت الشعور باي شيء سوى الجري والاعتقاد غير المفهوم بانني اقترب" ص "49" ويعود الكاتب ليؤكد على تناقضات بطل الرواية بشخصيته المثلية المتقلبة والغريبة حتى عن بيئتها ويلخص تناقضات حياته كلها بقوله: "تتجمع في قلبي مشاعر الدنيا كلها في عشر دقائق من المشي، اشعر بالغبطة والحزن بالفقد وبالهجر وبالترك، بالنشوة والفرح والمتعة، بالشوق وبالانتظار وبالملل وبالرغبة والخسران والأسى وبالغباء وبالسذاجة وبالعته، وبالثقة وباليقين وبالقوة اشعر انني فهمت وعرفت ونضجت وكبرت ثم في طرفة عين اشعر بالجهل وبالوهم وبالضحالة، لم أكن مؤهلا لسؤال نفسي كيف كنت قبل دنيا، وكيف صرت بعدها" " ص:62". ومن خلال هذه الشخصية المركزية يمكننا ان نرصد العديد من المحظورات الاجتماعية والسياسية المحافظة التي وقع فيها الكاتب والتي يمكننا ان نرفض او نتفق معها ولكنها اوقعته في مطب مقص الرقيب (المرفوض كما قلت أعلاه) وهي:
أولا: استخفاف بتنظيمات فلسطينية وطريقة عملها: "كنت مع ذلك التنظيم بحكم الانتماء العائلي. "والدي صار في شبابه ممثل الحزب في القرية لسنتين فقط. التنظيم مهم مثل العائلة، يوفر وظيفة لابي ويتقاضى عليها راتبا دون فعل شيء منذ عشرات السنين" ص 21
ثانيا: استرسال غير مبرر حسب رأيي في استعمال الايحاءات الجنسية وبالذات المثلية، او العادة السرية التي تسيء الى الذوق السليم، كوسيلة او تبرير لما وصل اليه الانسان الفلسطيني من يأس واحباط، بدون حاجة الرواية الى مثل هذا الاسترسال، والاهم انه يربط المقاومة للاحتلال بالجنس كحالة ملازمة فيقول عن حاسوب صلاح احد شخصيات الرواية، الذي ألقي القبض عليه بعد عملية ناجحة: "حاسوب صلاح تحديدا هل سيجد فيه الجيش شيئا سوى الأفلام الجنسية التي يحب صلاح مشاهدتها بصوت مرتفع جدا، لن يفارقني صلاح منذ ذاك الصباح، حياتنا كانت متشابهة الخطة المسبقة لسيرنا متشابهة، كان يمكن ان أكون مكانه." 54
ثالثا: النقد اللاذع الذي يوجهه للشرطة وأجهزة الامن،والتي استهترت بالبحث عن القاتل في قضية الجريمة، ونقد للمجتمع الذي لم يولِ اهتماما بالضحية التي تمثل وضعا مأساويا آخر يعانيه الشعب الفلسطيني، فالضحية هي فتاة غزية، جاءت مع أهلها من غزة الى الضفة بسبب الحرب ولم تستطع العودة بسبب الاحتلال ورغم ان أهلها تركوا الوطن نهائيا الا انها أصرت على البقاء في رام الله، ولكنها لم تجد الحماية ولا الامن في حياتها ولم تجد من يبحث عن أسباب الجريمة بعد وقوعها. واجهزة الامن اظهرت عجزها في الموضوع.
خامسا: ما أعتبره استهتارا بنضال الشعب الفلسطيني من خلال استعمال المصطلحات الجنسية كوسيلة دفاع ""عبرت ذهني صورة لصلاح متلذذا بمشهد جنسي في فيلم شاهدناه معا، تذكرت الفيلم butterfly effect أعجبه المشهد بطريقة غريبة وظل يعيد مشاهدته مرارا دون ملل."ص 53. صلاح هذا هو زميله في البيت يقوم بعملية فدائية جريئة ويلقى القبض عليه.
سادسا: ما أعتبره استهتارا برموز الشعب الفلسطيني وخاصة أبو عمار ياسر عرفات، فيصف صورته وهو يحمل السلاح كأنه امتداد لعضوه الذكري وان الصمغ الذي الصقت به الصورة يبدو كأنه يسيل من طرف الرشاش الأسفل، يقول: "أبو عمّار اعلى من الجميع والرشاش يوازي خصره، وزاوية التقاط الصورة جعلت الرشاش وكأنه امتداد عضو ابي عمار" ص: 94. ويستطرد في نفس الصفحة "اما الصورة التي كنت انظر اليها، فيتسرب صمغها من فوهة الرشاش .. والرشاش الطويل ينقّط سائلا ابيض."
ومع كل ذلك فالخلاصة: لا رقيب يعلو على رقابة القارئ، ونباهة المستمع، وذوق المشاهد، الرقابة القسرية في ظل العولمة وهذا السيل العرم من المعلومات التي تطغى وتغطي أي مجال من مجالات الحياة أصبحت شبه مستحيلة، ناهيك على ان الرقابة والمنع هي عملية بغيضة مقيتة هدفها كم الافواه، وتقييد حرية الرأي وحرية الضمير.
الرقابة على الادب او الصحافة والكلمة او أي نشر كان تكاد تكون شيئا من الماضي، فهي تثير حفيظة القارئ وتذكره بأنظمة ظلامية استبدادية بائدة، حتى أصبح استعماله ضربا من الجنون لأنه سيصبح حتما اشهارا مجانيا لأي عمل يستحق او لا يستحق الاشهار. والنتيجة ان الرقابة سلاح ذو حدَّين، قد يصيب اول ما يصيب مستعمله، وقد يعطي مردودا عكسيا للمتوخى منه.
لا رقيب على الاديب والكاتب والشاعر والصحفي والفنان الا نفسه، ثقافته وعيه ومبادئه الخلاقة، وعمق انتمائه لنفسه لشعبه لبلده لقضيته، ولذلك على الكاتب ان يكون شجاعا مبدئيا واثقا منطلقا في رأيه من ايمانه بصدق ما يقول وما يطرح من أفكار ومبادئ. على الاديب ان يعي انه يحمل هموم شعبه وقضيته العادلة، عليه ان يعلم ان قلمه سلاح فتاك في مواجهة الأعداء ولكنه أيضا سلاح فتاك في تدمير امَّته والقضاء على مقدرات شعبه. على الاديب ان يقف بشجاعة في وجه الاغراءات المالية وفي وجهة المال الفاسد وان لا يكون قلما مأجورا فيصبح سلاحا مسلطا على رقاب شعبه.
