عندما كنتُ صغيرًا أتردد على مدرسة القرية كان يأتينا كاهن ليعلّمنا الاستقامة حسب أصول الدين وتعاليم الأنبياء، وحتى يكتمل صوابنا كان يحثّنا على الجلوس أمامه فردًا فردًا لنعترف بخطايانا وزلاتنا ليحملها في ملفّه من اجل إبطالها وهو يُرافع عنّا في أروقة محكمة ربِّ البشر.
كان الكاهن يومها وسيطنا الوحيد أمام الله الأحد.. وجاء مارتن لوثر الراهب واللاهوتي أبو الإصلاح الديني (البروتستانتية) لينفصل عن سلطة البابا وكنيسته بسبب الغفرانات والتبتل.. جاء لوثر ليلغي وساطة الكهنة، فالإنسان بمحض ذاته يستطيع بتأملاته وابتهالاته أن يُعلن توبته وبشكل مباشر أمام الخالق العظيم. إن رجل الدين الذي اعتدنا الجلوس أمامه طالبين الصفح والمغفرة لن يكون من المُنزَّهين الانقياء خاصة عندما يكون ممثلا يحاكي الأتقياء وهو ليس من الأتقياء!!
في أيامنا هذه، تنهض الولايات المتحدة الأمريكية لتلعب دور رجال الدين مُنتزعة من البشر خضوعًا وانحناءً.. تُريدنا أمريكا وبطاعة عمياء الجلوس في محرابها لنيل البركة والاعتراف مقابل إذلال وتحقير واملاءات تُجهز على طموحاتنا الإنسانية لنيل الحرية ووأد العبودية.
إن إشهار أسلحة الفيتو المُفخَّخة من وقت لآخر تُضرم نارًا لا ينطفئ لهبها، حارقًا أهل فلسطين فكرًا وحجرًا وبشرًا. إن اللهب الأمريكي يحرقنا في هذا الشرق الحزين.. يتحدث أهل الشام عن بشاعة عمل الدخلاء المُشعلين نار الفتنة في بلادهم فيتجاهلهم كهنة الديمقراطية الأمريكيون والأوروبيون، وفي المقابل وبتحيّز معيب رخيص يعترفون بائتلاف المعارضين وبمراصدهم المتآمرين على عِزّة سوريا وهويتها الوطنية.
تبتغي أمريكا إجلاس السوريين الشرفاء على كرسي الاعتراف ليعترفوا نادمين على مُناهضتهم أعداء الوطن من دخلاء الارتزاق الوصوليين، مناشدين كهنة البيت الأبيض قبول اعتذارهم وغفران أوزارهم في مواجهة المعتدين...
تُخطئ أمريكا ومعها الدوحة واسطنبول.. لن يجلس الشرفاء السوريون على كرسي الاعتراف.. مهما أمعن حماة الديمقراطية المزيفة في التآمر على كرامة وتاريخ بلاد الشام.
ما أحوجَنا إلى ظهور (لوثر جديد) يُعرِّي كهنة هذا الزمان من ثياب الانحراف ويُضرم النار في كراسي اعترافاتهم وابتزازاتهم!
