استفاقت على يديه تتشبثان بها رهبة... سكرات الموت... صوته المتحشرج: صفية...صفية
يا صفي... (تعود أن يناديها صفي بتشديد الياء لتدليلها).
فزت من نومها واجفة... ضيق في تنفسه أسكته: أبو خالد...أبو خالد... حررت له أزرارالمنامة... تحسسته بيديها اللتين غدتا عينيها، بعد فقدان ضيائهما، من حرقة البكاء على بناتها منذ الهجيج.
جدتي التي شدني شرود نظرتها فعلقتها... أشفقت على وحدتها في ظلمتها... كنت أسحبها من تحت إبطها، ورأسها مغطى في البررين الأسود- ملاءة تركية- مع كتفيها حتى الخصر، ووجهها بوشاح أسود شفاف يظهر أكثر مما يخفي جمال بياض محياها الوضاء، الى يوم الاستقبال النسوي لصديقتها ريحانية الجراح حيث تكون التضييفات والحلويات بكثرة فتدللني النساء لأنني أخدم جدتي... كنت أرقبها ببسمة عندما تتحسس مخدتها، بعد أن ينهي المنجد في بيتنا تنجيدها مع اللحف والفرشات، وهي تشقرق بقولها مربتة على وسادتها: يا نعنع... يا نعنع...
ثم وهي تشم نظافتها: خي...خي...
تحسست صدره...خفقات قلبه خافتة...رفعته الى صدرها...تشمشمه...تضمه...مسدت له جبينه
- أبو خالد...أبو خالد...وصوتها يتذبذب قلقا.
- ديري بالك من الشباك يا صفي..(لأنه منخفض حتى أعلى الساقين) تمديش حالك كتير لتوقعي منه وأنت تنشري الغسيل... كان يعلق لها الغسيل بنفسه عندما يراها تتحسس الحبال.. يصيح خائفا: "أيه..أيه...هاتي عنك اسا بتوقعي لتحت...متقربيش عالنار وطنجرة الطبيخ على البابور الحامي بتحرقي حالك ها..الحامي الله.." قالها دون أن يتشنج أو يصيح هذه المرة... متمسكا بكتفيها...وهي متكئة على قضبان السرير النحاسية... سرير عرسها... كم أحببته في طفولتي لدي مكوثي في بيتها..فوق كل عمود من زوايا السرير كرة نحاسية وهاجة ألمسها بيدي فأستشعر برودتها..ثم أمد لساني فألحسها وأحذر من عيون أمي أو جدي تؤنبني...كانت جدتي تمسك بكرة النحاس تفتلها فتفتح لتتوسع حدقتا الطفلة...تخرج منها نقودا
-خدي يا ستي..اشتريلي تكس... أفهم أنها تعني كيكس – كعكة، تأثير الانتداب البريطاني على جيلها- ولجدتي صفية مخبأ آخر أدهشني عندما رفعت ذيل فستانها الحريري لأول مرة وفتحت كيسا صغيرا من الخام مربوطا بحبل من نفس القماش على خصرها لتعطيني تعريفة أو قرشا وأفرح لو كان شلنا فالشلن أكبر ومعدنه لميع أكثر...ثم تتقدم بخطوات متفحصة الأرض وبأيد طائرة ترى الفضاء لتصل الى البوريه - كلمة ايطالية - لتتلمسه بكفيها الرائيتين وتعثر على يد الدرج الأول النحاسية فتفتحه بسلاسة وتمد يدها داخله وتعطيني هديتي قطعا من الحلوى التي تجعلني أتقافز فرحا...أمام مرآة البوريه الصقيلة المؤطرة بالخشب المحفور بشتى الأشكال، أرفع رأسي بقامتي الطفلة الى أعلى..فأعلى حتى أكاد أسقط الى الوراء من فرط انبهاري بتاجها الأرابيسك أسميته تاج الملك..وكنت أتخيل ملكة ستخرج لي من المرآة وتروح كف يدي تسرح وتمرح تملس على رخام البوريه وتعبث بمقابض الأدراج الكبيرة النحاسية وتعزف أصواتا رنانة بها..وأعود للمرآة الضخمة المائلة الى أسفل فيأخذني الحال ويصيبني مس من التشخيص وقراءة الشعر المدرسي أمامها متفرجة على حركتي وفمي واذا تجليت بنشوتي أغني ثم أسكت فجأة لأتلفت هل من أحد رآني فأخجل..بوريه جدتي صفية كان مسرحي الأول.
تدخل الغرفة تبحث عني بيديها وصوتي: أما زلت أمام المرآة..أتعجب كيف عرفت! تقترب مني وتجلس على الطراحة أرضا ووراءها المسند المستطيل لتقول:تعالي يا ستي أشوفك حلوة؟ فغرت فمي يومها وحدقت بعينيها الزرقاوين صامتة أحدث نفسي: كيف ستراني!- اجلسي أمامي...اقتربي أكثر يا ستي..فاذا بها ترسم بكفيها وجهي..تتحسس جبيني وتنزل الى الحاجبين فالعينين،الأنف والخدود تدقق في الذقن والفم بتريث،الرقبة والأكتاف حتى تصل الى الثديين فتتفحص نضجهما أبتعد بذهول فتضحك، وتعلن نتيجة الفحص وهي تزيح خصلة شعرها الناعمة الطويلة، الهاربة من منديلها الأبيض الشفاف، عن جبينها: حلوة يا ستي حلوة...!
أحست بيديه تتعلقان بها أكثر..أبو خالد..أبو خالد...تحسست قلبه فلم تجد الدقات رفعت كفيها حيث الحنجرة كان النبض هناك...ماذا تفعل !..ليل... صمت... موت... وضرير تنادي: أبو
خالد...وما من مجيب،سوى لهاث متقطع ينبعث منه لا تسمعه هي لضعف في سمعها ألم بها في الكبر.
مزق الليل صوت الأذان المنبعث من جامع الجزار، ليس بصوته هذه المرة وهو ألمؤذن المؤذن في البلد ومدرس تجويد القرآن في المدرسة الأحمدية في نفس المسجد،يرتاده كل يوم بقنبازه الروزا المجلوب قماشه من الشام - خياطة يده واخوته فلهم أشهر محل خياطة في المنطقة في ساحة الجرينة قرب خان العمدان- وتحته السروال الأبيض الواسع بين الفخذين، ينظر الى ساعته التي يسحبها مع السنسال المعلق بها من جيب صغير فوق القلب ويعيدها اليه، يشم الزعوط من علبته بطرف اصبعيه فيعطس، يضع الساكو فوق كتفيه والطربوش الأحمر أبو شراريب وصوت عكازه يطربنا فنلحق به.
لا أنسى الهلع الذي أصابني اذ صحوت من نومي ليلا على صورة شبح ضخم على الحائط في بيت ستي...فصرخت حتى أقلقت منام الجيران...كان شبح جدي المتحرك على الحيطان بلباسه انعكاسا من نور القنديل المتدلي من سقف الغرفة...بدا لي شيخا من المتصوفين المتوحدين مع الله في حركات دروشة.
ألله أكبر...ألله أكبر... النداء المدوي يحضن عكا دهرا كأجراسها... ليصبح روحا حية كوجود المدينة وناسها...يسمعه لآخر مرة. سكت صوت الأذان فتوقف النبض وهمد الجسد وثقل بين ذراعيها..رفعته تفحص تنفسه بخديها...لا زفير حار يلفح وجهها.. صاحت اللهيف: أبو خالد...أبو خالد مولولة، لا ترى دموعها المنسكبة على وجنتيه...يا نادرة...نادرة...
تزحزحت.. وضعت رأسه على الوسادة بحنية تحسست بيديها فراغ الغرفة..الذي تعرفه جيدا.. أمسكت كرة النحاس المثبتة على عمود زاوية السرير.
اتجهت الى العتبة الصغيرة تحسستها بقدمها ونزلت ممسكة بمقبض الباب ثم الحائط فالوجاق الذي يحذرها جدي منه اذا ولع البابور للطبخ..رفعت يديها جناحين مجدفتين في الفضاء لتصل البوابة الخشبية الكبيرة، فتحت اللقطية – الشنكل - وكانت تحذر أخي وهو صغير عندما يأتي اليها ويدق البوابة "انزل يا ستي درجتين لأفتح" لكي لا يدفشه الباب وهو وراءه فيقع من أعلى الدرج...منذ أن كان ابن عام ينتحي جانبا و يلتصق بالحائط عندما تمر وعيناه الى أعلى عليها وهي تناديه:وليد..أنت هون يا ستي، زيح أحسن مأدعس على اجرك...هل كان يفهم أنها ضريرة!...وندهت بصوتها الجهوري،الذي عهده أهل البلد في زغاريد الأعراس خاصة.
عندما تصل أمي الفرح تلكزها صاحبتها..وصلت كنتك...فتطلق صوتها صادحا بزغرودة للحلوين..وتطلب أن يجلسوها مع الحلوات في الصف الأول المكرس للعرائس الطازجة.
نادت بصوت ثاكل على جارة العمر..يا نادرة (المرأة الطيبة التي أحبت جدي وجدتي وجمعها العيش والملح معهما والسنون... وكانت تدللني عندما أصعد درجها المقابل لدرج ستي، أنا وأختي لننشر السماق والزعتر على سطح بيتها في الغربال، فنجد بيتا مقفلا على قبرعليه رأس بعمامة رخامية فنسألها عن الميت المدفون فيه، وتخبرنا أنه للصاوي جارهم المصري أذكره جيدا وهو صاعد الى بيته)
..نادرة... مات أبو خالد... نزلت أم منير بقميص نومها جريا وصعدت الى جدي تتفحصه...كان ممددا في السرير ورأسه على طرف الوسادة فبكت...ليش ما فيقتيني يا أم خالد لأكون معك ؟شو عملت لحالك يا ألله رحمتك ! حكت لها كيف سلم الروح على صدرها.
...هذه هي الجملة التي أيقظتني من نومي فجرا..لأسمعها من فم الجارة نادرة تقولها لأبي وهي تبكي على عتبة الدرج: "مات على صدرها" وذهبت تخبر عماتي..ولا أنسى دموع أبي وهو يرفع قدمه على الكرسي ليلبس الجورب مخفيا وجهه عني وهو يجفف عينيه وأنفه والصمت جارح...قال لي كأنه يبرر بكاءه الخجل بصوت ينز ألما: "لم يكن مريضا ليبقى أحدنا معها...مات على صدرها...مسكينة... كانت وحدها...لا ترى ".
ملحوظة: وابنتها صبحية التي هجت الى لبنان لم يكن حظها أوفر من جدتي صفية فقد استشهد ابنها الوحيد في عملية الشاطئ في تونس ولم تصدق فهامت على وجهها طوال عمرها باحثة عنه.
(عكا)
