- العالم في صراع مع الزمن لأن اللعنة المصرية بدأت فعلا في الانتشار وتكرر مشهد التحرير بكل تفاصيله في أمكان منها القريب من مصر مثل ميدان تقسيم في تركيا ومنها ما هو بعيد جدا عن الشرق الأوسط مثل البرازيل. ما حدث في مصر سوف يلهم شعوب العالم كلها على النهوض وتمزيق العقد الديمقراطي بشكلة المعروف حاليا، ولن تستطيع الحكومات مواجهة ذلك لان ما يحدث لم يكتب في كتب ولم يدرس في الجامعات بعد.
*ما حدث في مصر بكل بساطة غيّر قواعد اللعبة السياسية، وغيّر مفهوم الديمقراطية الكلاسيكية كما نعرفها. الحكومات الغربية تنظر لما حدث على انه نوع من التلاعب في بنود العقد بين الحاكم والرعية والتي اتفق عليها على مر السنين بأنها افضل وسيلة للحكم ولتبادل السلطة*
الجميع يتساءل لماذا أعلنت دول العالم رفضها لما يحدث في مصر؟ بالرغم انه لا فارق كبير بين ما حدث في 25 يناير و30 يونيو، لكن معظم الحكومات التي رحبت بالموجة الأولي من ثورة 25 يناير استنكرت بشكل صريح ما حدث في الموجة الثانية واسموها انقلاب عسكري، بينما الموجة الأولي كانت تستحق هذا التصنيف اكثر نظرا لان المجلس العسكري كان الحاكم الفعلي للبلاد.
الإجابة بسيطة، ما يحدث في مصر هواكبر تهديد لما يعرف بالنظام العالمي. جميع حكومات العالم الآن ينظرون إلى مصر على أنها مصدر الطاعون الذي سيصيب العالم كله ويهدد كل الحكومات الحالية حتى الأشد ديمقراطية فيها. لان ما حدث في مصر بكل بساطة غيّر قواعد اللعبة السياسية، وغيّر مفهوم الديمقراطية الكلاسيكية كما نعرفها. الحكومات الغربية تنظر لما حدث على انه نوع من التلاعب في بنود العقد بين الحاكم والرعية والتي اتفق عليها على مر السنين بأنها افضل وسيلة للحكم ولتبادل السلطة.
الدول الديمقراطية في جميع أنحاء العالم تبنت مفهوم الديمقراطية القائمة على الانتخابات كوسيلة آمنة وفعالة لتبادل السلطة. هذا النظام حقق نجاحا ملحوظا في الدول المتقدمة والتي تتمتع شعوبها بقدر من الوعي السياسي الذي دفع المواطنين بإدراك بنود العقد الديمقراطي بينها وبين الحاكم. ولأن الوعي الغربي، بحكم مستوى التعليم والتوعية، ملتزم بكل ما هو قانوني وشرعي، فتقبلوا بنود هذا العقد بدون مناقشة مع التزام كامل وتفاني في احترام هذا العقد ورفض قاطع لكل ما قد يخل بهذا الاتفاق. لذا على مر السنين قامت الدول الغربية بممارسة الديمقراطية الحديثة عن طريق صناديق الانتخاب وهي سعيدة وفخورة بأنجح نظام حكم شهده تاريخ البشرية. فكان التعايش السلمي بين الحاكم والمحكوم والذي فيه مصلحة الجميع مهما كان هذا الحاكم طاغية ومرفوض مثلما حدث مع جورج بوش الابن، والذي خسر شعبيته بإعلانه الحروب، فانتظر الشعب الأمريكي حتى موعد الانتخابات وقام بالإطاحة به طبقا لبنود الاتفاقية الديمقراطية.
وظنت الحكومات، وخاصة الغربية أن الوضع قد استتب لها وأن الديمقراطية الحديثة هي افضل الأنظمة على الإطلاق. وعلى أساسها قام النظام العالمي الحديث وثبت قواعده ورسخ الفكرة في وعي الرعية. إلى أن جاءت مصر. في الموجة الأولى من الثورة هللت الحكومات الغربية وصفقت الشعوب الديمقراطية لما حدث، لأنه في نظرهم كان هذا تجسيد لكل ما آمنوا به وبشروا به لدول العالم الثالث من قيم مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان ومساواة وعدل. وفي الحقيقة هي كذلك. ثورة 25 يناير هي خلاصة تجسد كل هذه القيم السامية في اقوى صورها لدرجة أنها كونت موجة ضغط هائلة تتكون من ملايين المواطنين في الشارع ملتزمة السلمية تطالب بحقوقها. من أرسى هذه القيم ونادى بها وساهم في نشرها بين شعوب العالم الثالث بل وخصص ميزانية حكومية مستقطعة من دافعي الضرائب لإنشاء برامج لتوعية الشعوب بهذه القيم، لم يتخيل يوما واحدا أن هذه الشعوب سوف تأخذ هذه القيم لتحولها لثورة شعبية محملة بكل معاني هذه القيم ولكن في شكل مختلف تماما عما اعتادت عليه العقلية الغربية لكن في صميم قلبه هو نفس هذه القيم ولكن في شكل ملموس، في شكل جموع حاشدة.
*الديمقراطية في أسمى صورها المطلقة*
إلى أن جاءت الموجة الثانية من الثورة، 30 يونيو، فأدركت الحكومات التي ظلت هانئة مطمئنة لأعوام طويلة حجم الكارثة. مصر تقوم بتقطيع العقد المتعارف وتقوم الجموع بإملاء بنود جديدة وعلى أعلى قوة في الدولة التنفيذ. فبعد أن صفقت وهللت في الموجة الأولى، اصيبت الحكومات الغربية بالذعر في الموجة الثانية. مصر غيرت قواعد اللعبة وهذا ما يهدد الحكومات من ناحية ومن ناحية أخرى صدم كل المواطنين الغربيين المؤمنين بالعقد الديمقراطي لأنه شكك بل دمر كل ما كانوا يؤمنون به منذ ولادتهم. فجاء الرفض والاستنكار ليس فقط من الحكومات ولكن من المواطنين الغربيين أيضا.
مصر أصبحت مركز الموجة التي سوف تطيح بحكومات كثيرة تحت هذا النظام العالمي. مصر أصبحت اللعنة والعضو المصاب بالمرض الخبيث الذي سوف ينتشر في العالم ليقضي على أنظمة ويسقط حكومات. الحكومات الغربية قررت أنها مستعدة أن تضحي بالقيم في مطلقها مقابل أن تبقي القيم في عقد مكتوب وموقع بين الطرفين. بالرغم من إدراكهم أن ما يحدث في مصر هو الديمقراطية في أسمى صورها المطلقة، حيث فعلا يأتي اصل الكلمة "حكم الشعب"، حيث يقوم الشعب فعليا بإصدار الأوامر وعلى اجهزة الدولة التنفيذ. في الأيام القادمة سوف تقوم الحكومات بمحاربة هذه الموجة الجديدة بشراسة، سوف تدافع الحكومات عن كينونتها من زحف اللعنة المصرية التي طالما تنادروا باسطورتها. ما سوف يحدث أن مصر ستصبح الدولة المجذومة وسوف يتم محاولة عزلها عن العالم حتى لا ينتشر المرض. ما يحدث اصبح صراع من اجل البقاء والعدو فيه هو مصر. قام الاتحاد الأفريقي بتعليق عضوية مصر، ولن اندهش لو قامت الأمم المتحدة بإجراءات مماثلة. العالم في صراع مع الزمن لأن اللعنة المصرية بدأت فعلا في الانتشار وتكرر مشهد التحرير بكل تفاصيله في أمكان منها القريب من مصر مثل ميدان تقسيم في تركيا ومنها ما هو بعيد جدا عن الشرق الأوسط مثل البرازيل. ما حدث في مصر سوف يلهم شعوب العالم كلها على النهوض وتمزيق العقد الديمقراطي بشكلة المعروف حاليا، ولن تستطيع الحكومات مواجهة ذلك لان ما يحدث لم يكتب في كتب ولم يدرس في الجامعات بعد.
مصر تعيد كتابة تاريخ العالم الحديث. مصر تعلن إسقاط النظام العالمي الحديث كما نعرفه. إن هتاف "الشعب يريد إسقاط النظام" كان يحمل في طياته معنى اكبر وأعمق من إسقاط نظام دولة واحدة. نحن نشهد الآن ميلاد نظام عالمي جديد، حيث تحكم الشعوب فعليا. إيماني بالشعب غير محدود لذلك أنا لا أخاف من القادم في مصر لان الشعب أقوى من أي نظام. وعلى الحكومات الغربية مراجعة موقفها وتقبل الواقع الجديد ومحاولة أدراك الشكل الجديد من النظام العالمي.
(كاتب مصري، عن موقع "البداية")
