تركيا، إسرائيل والرمانة

single

بقدر ما تثير إهانة السفير التركي من قبل وزارة الخارجية الإسرائيلية السخط، فهي تثير الشفقة أيضًا، حيث أن إهانته بهذا الأسلوب الصبياني والغبي في "جلسة توبيخ"، بسبب مسلسل تركي تدّعي إسرائيل أنه معادٍ لها، وإجلاسه في كرسي منخفض، ووضع العلم الإسرائيلي دون التركي على المنضدة، خلافًا للمتعارف عليه في لقاءات من هذا القبيل، والاهتمام بأن تغطي جميع وسائل الإعلام هذه "الوضعية" بدون ابتسامة من ايالون، تدل على صبيانية أيالون، ووزيره ليبرمان، وحكومته.
قد نستغرب من "فضاوة" الحكومة الإسرائيلية، وانشغالها بمسلسل تلفزيوني، لكن من الواضح أن المسلسل ليس السبب الحقيقي لما حصل، لكنه ضرب "على الوجع"، خاصة في الأسابيع الأخيرة، والتي تضعضعت علاقة إسرائيل وتركيا خلالها، زيادة على ضعضعتها منذ العدوان على غزة العام الماضي. يعني كما يقول مثلنا الشعبي: "القصة مش على رمانة، القصة على قلوب مليانة".
وها هي إسرائيل، "واحة الديمقراطية" في الشرق الأوسط، تحتج (ليس احتجاجًا عاديًا بل تخلق أزمة مع حليف استراتيجي) على مسلسل يعرض أمورًا لا يحلو لها أن تراها. تصوروا لو قامت دول الخليج مثلاً بتصرف مشابه، أي الاحتجاج بنفس الطريقة على كل مسلسل أو فيلم أمريكي يظهر فيه "عربي" بزي خليجي، على أنه بدائي وغير متحضر. تصوّروا لو تصرفت الدول العربية والإسلامية بنفس طريقة إسرائيل، إثر كل مسلسل أو فيلم أوروبي أو أمريكي يربط الإرهاب بالعرب والمسلمين، أو يحتوي على أفكار مسبقة ويشوّه صورتهم. تصوروا لو قامت الولايات المتحدة بالتصرف هكذا بعد كل مسلسل أو فيلم معادٍ لأمريكا، تصوروا لو تصرفت هكذا كل دولة تم الإساءة لها في مسلسل أو برنامج تلفزيوني أو فيلم، لكنا قد شهدنا، دون أدنى شك، حربًا عالمية ثالثة تدعى "حرب المسلسلات".

 

// إسرائيل وجهودها الجبارة


وعودة الى الرمانة والقلوب "المليانة"، فالقلوب ليست "مليانة" فقط على تركيا. إسرائيل تعاني في الفترة الأخيرة من تردٍ كبير في صورتها أمام العالم، وتحاول أن تغيّر هذه الصورة من خلال عدة أساليب، أهمها الظهور وكأنها تبذل جهودًا جبارة من أجل دفع عمليات السلام، فها هي تتخذ قرارًا بـ "تجميد" الاستيطان، وتتوصل إلى تفاهمات مع أمريكا، ونتنياهو يزور مصر ضمن مساعيه للعودة إلى المفاوضات، وباراك يهاتف بان كي مون ليطلب منه الضغط على أبو مازن، وبيرس يتحدث مع أبو مازن وغيرها. إن هذه الجهود وكثافة الحديث عنها إعلاميًا، لها بالطبع وجه آخر، وهو تقليل شأن السلطة الفلسطينية وتصويرها على أنها متعنتة ولا تفعل شيئًا من أجل السلام، وهذا طبعًا يخدم إستراتيجية إسرائيل بتصوير الجانب الفلسطيني على أنه رافض للسلام، وتعزيز مقولة "لا شريك". بالإضافة إلى هذا، وبصورة مرتبطة، تبرز ظواهر أخرى في الإعلام الإسرائيلي في الآونة الأخيرة، كالهجوم على الرئيس أبو مازن، بعد أن كان مقبولاً على إسرائيل، فجأة يتغير الموقف منه. وظاهرة أخرى هي زعزعة الوضع الأمني في الضفة الغربية من خلال تغطية مكثفة لحوادث مختلفة لمحاولات شبان فلسطينيين الاعتداء على جنود أو تنفيذ عمليات، يجب التشكيك في مدى صحتها، لأن مصدرها الوحيد هو جيش الاحتلال. هذا يخدم إسرائيل في عدة مناحي، إسرائيل تتقن استعمال الأمن لتبرير كل شيء وأي شيء، وهي بحاجة إلى إعادة الاعتبارات الأمنية إلى الحلبة السياسية. فالاستقرار الأمني في الضفة الغربية ساهم بشكل كبير في نقل الضغط الدولي إلى ساحة إسرائيل، خاصة وأن السلطة الفلسطينية قد أتمّت التزاماتها بالنسبة لخارطة الطريق، بينما ترفض إسرائيل الالتزام بها، وتصدر قرارات فارغة المضمون بتجميد الاستيطان.

 

// العقلية الإسرائيلية في جملتين


بثت القناة العاشرة تقريرًا بدا غريبًا عن مشهد الإعلام الإسرائيلي من حيث تغطيته المتوازنة والعادلة. يتحدث التقرير عن جنود إسرائيليين يقمعون مظاهرة سلمية لفلسطينيين في قرية النبي صالح شمال رام الله، بالقنابل والهراوات والرصاص المطاطي، لكنهم وقفوا ساكنين أمام زمرة منفلتة من مستوطني "حلميش" المجاورة الذين ألقوا الحجارة واعتدوا على المتظاهرين. في التقرير يظهر جندي يقول لنشطاء يساريين تواجدوا هناك وسألوه لماذا لا يفعل شيئًا لحماية الفلسطينيين من انفلات المستوطنين، فقال "واجبي أن أحمي شعبي اليهودي من الخائنين أمثالكم (أي اليساريين)"، ثم أردف "وفي إسرائيل يوجد حكم بالإعدام للخائنين".
لقد لخّص هذا الضابط بجملتين عقلية الجنود الإسرائيلية أفضل من أي باحث أو محلل: هو هناك ليحمي شعبه، وشعبه هو المستوطن! وكل من يعارض شعبه يستحق الموت!

قد يهمّكم أيضا..
featured

"الجنون الدّرزي" عند يجآل ألون

featured

بداية رحلة التناقضات

featured

وجهان لعملة امريكية واحدة

featured

لنصون هذا الصرح

featured

لمــاذا التحامل على تشافيز؟

featured

على عتباتِ دمشقَ المقدَّسةِ

featured

إفِّكت ليبرمان