سبعين عاما من النضال رفرف فوقها وحولها وفي كل لحظة وفي كل ساحة وعلى كل منبر علم أحمر، علم الأمميّة،علم النّضال الّطبقي، علم الطّبقة العاملة. اقترن النضال النقابي باسم بنيامين غونين سنوات طويلة، فكان العنوان لعمال كل مصنع أو لجنة عمال أو موظفين،حين كانت الهستدروت تتخاذل أو مجالس العمّال تقف مكتوفة الأيدي وحقوق الكادحين تمتهن ولقمة عيش أطفالهم تكون رهينة في يد المستغلين وعلى رأسهم الهستدروت نفسها، الّتي كانت المشغّل والنقابي في نفس الوقت كقول المتنبي "فيك الخصام وأنت الخصم والحكم". لم يقبع رفيقنا في برج عاجي ولم يدر النضالات المتتالية من المكاتب أو الفنادق، بل كان يقف على رأس المتظاهرين أو المعتصمين في أماكن عملهم، يتلقى ضربات هراوات الشرطة والقوات الخاصة، يتعرض للاعتقال والسجن، لكن كل ذلك لم يفتّ في عضده ولم يتوقف عن النضال يوما.
في تشرين الثّاني من هذا العام صدر كتاب الرفيق بنيامين غونين "حياة حمراء"باللغة العبريّة، ورغم العنوان الثاّنوي "محطات في حياة شيوعي إسرائيلي"، يمكن اعتبار هذا الكتاب محطّات هامة في تاريخ الحزب الشيوعي والنضال العمالي والنّقابي.لغة الكتاب سلسة وتشعر بالمتعة أثناء القراءة والرغبة في الاستمرار،لأن الكتاب يثري معلوماتك ويزودك بالجديد،فهو كنز لشبابنا وشبيبتنا وسلاح يردون فيه على المتطاولين على الحزب وفكره الأممي وبنيته العربية اليهودية.لم أقصد بما ذكرت إطلاق الشّعارات،لأن الكتاب رغم كونه محطات في حياة كاتبه، ولم يتوخّ منه البحث العلمي لكن الكاتب أتى بالإثبات على كل أمر ذكره معتمدا على تصريحات موثوقة، ليس فقط لقادة الحزب بل لأعدائه ولأعضاء كنيست ووزراء ورؤساء وزارات الّذين كانوا ينفثون سمومهم ضد الحزب، كوادره وقادته.
استعرض المؤلف الوضع في فلسطين في الفترة التي نشأ فيها وترعرع في حيفا.والّتي وصلها من بولونيا عام 1935 وكان في السادسة والنّصف من عمره.كانت حيفا شبتاي ليفي وحسن شكري.واستقر في الحليصة الّتي لا يزال يسكن فيها حتى اليوم، وقد اعتمد في تأكيد الأوضاع الّتي عاصرها على أبحاث تاريخيّة لمؤرخين كالدكتور محمود يزبك، الّذي اعتمد في أبحاثه على سجلّات المحكمة الشّرعيّة في حيفا.وأكد فيها على فقدان العرب لسيطرتهم الاقتصاديّة،بعد سيطرة المؤسسات الصّناعية الصّهيونيّة على الاقتصاد والّتي لم تنجح الصناعات الخفيفة العربيّة أن تصمد أمامها فانهارت.
الأحداث التي يرويها حتى تلك التي حدثت أيام الطّفولة لها معنى وأثر، فعلى سبيل المثال,قصة أبيه وأمّه اللذين عملا في البناء من مطلع الشّمس حتى مغيبها،وخوفهما الّذي كان يتسرّب إليه مع اقتراب الانتهاء من إتمام بناية،ألّا يجدوا عملاَ بعدها.وقصته مع يوخيفد رفيقة عمره الّتي التقاها على مقاعد الدراسة وهما في الصّف الثّالث والّتي أخذته في أحد الأيام إلى السّوق في شارع هشومير ولفتت انتباهه إلى امرأة يهوديّة سمينة بجانبها ولد عربي نحيل الجسم يحمل سلّة وهي تشتري وتلقي في السّلّة والولد ينوء بحمله ويكاد يسقط أرضا، وسألته يوخيفد أهذا عدل يا بنيامين ؟ وهنا دعته إلى الانضمام للشبيبة الشّيوعيّة الّتي كانت سرّيّة، لأن الحزب الشّيوعي الفلسطيني حُظر في فترة الانتداب البريطاني وأصبح خارج القانون .
كنا نعرف بشكل عابر أنّ بنيامين منع مذابح في عام 1948 في قرًى عربيّة، وهو في الكتاب يؤكد أنّه تكونت في عدد من كتائب الجيش خلايا للحزب كان لها دورها في منع مذابح في عدد من القرى العربيّة،ويؤكد بأمثلة عديدة عمليات طرد العرب وليس هربهم وينفي وجود منشور يدعو العرب في حيفا إلى عدم الرّحيل، على العكس يقول غونين كانت محاولات عام 1949 لطرد السّكان العرب من حيّي عباس والحليصة وقد أرسل لهذه المهمّة جنود مسرّحون، لكنّ الشّيوعيين اليهود تصدّوا لهم وطردوهم.
قصة مقتل أخيه دوف في معركة تل عزيزات مع الجيش السّوري، لها دلالاتها،فقد ذهب للتعرف على الجثة وذلك بعد أيام في الفلاة لتعذر إخلاء القتلى من الجانبين وكانت الجثث في حالة تعفن واعتمد في التعرف على شهادة غير مؤكدة من أحد الجنود أنّ عصبة كانت على رجله، ولم يبح بهذا السّر إلا بعد موت أمه،"فمن الممكن أن تكون الجثة لجندي سوري وقد بكته أمي عشرين سنة حتى موتها وجثة أخي بكته أم سوريّة مدى حياتها".
عندما أقرأ عن الثّقافة الّتي تثقّفت بها الشّبيبة الشّيوعيّة والّتي يكتب عنها المؤلف بفخر واعتزاز،عن الامبرياليّة أعلى مراحل الرّأسماليّة،البيان الشّيوعي، دكتاتوريّة البروليتاريا..... كيف فلّ الفولاذ،رجال بانفيلوف،"جامعاتي"لغور كي.....الأفكار الّتي كانت نبراسهم، أتحسّر لأنّنا الآن في زمن القحط وليغضب من يشاء.
قلت في البداية انّ هذا الكتاب تاريخ لمحطات النضال الطبقي والنّقابي، ويؤكد بنيامين أنّ نضال الشّيوعيين اليهود والعرب في الهستدروت بدأ منذ إقامتها.وقد وقفت الهستدروت ضد الشّيوعيين وتعاونت مع السلطات البريطانيّة، وقد أدّى هذا التّعاون إلى طرد مئات الشّيوعيين من البلاد في عامي 1929 و1930 .في العام 1926 اعتقل 116 شيوعيّا اعتقالا سياسيّا،وفي السّنة الّتي تلتها 321 اعتقالا.واغتال متعاونون يهود مع السّلطات البريطانيّة نشطاء شيوعيّين مثل سيوما ميرونيانسكي ويعيل غيرزون سكرتيرة الشّبيبة الشّيوعيّة.لقد ناضل الشّيوعيون أن تكون الهستدروت لكل العمال دون تمييز على أساس قومي أو سياسي وشددت على الصّراع الطّبقي كوسيلة وحيدة للنّضال.أنا لن أدخل في التّفاصيل الهامة الّتي يوردها الكاتب، لكنني سأذكر بعض الأحداث من نضال هذا القائد.
أعاقت مواقفه السّياسيّة ومعاركه النقابيّة تقدمه في شركة الكهرباء الّتي بدأ عمله فيها وهو صغير السّن، وقد رأى الّذين علّمهم يتقدّمون في سلّم الدّرجات وهو في مكانه، لا بل كان سوط الفصل يلاحقه، وما عاناه بعد عدوان 1967 يدل كم كان صعبا أن تكون شيوعيّا.بعد الحرب وزّع منشورا في شركة الكهرباء جاء فيه"لم يجف بعد حبر الرّسائل الّتي أرسلت للشركة والمعلّقة على لوحات الإعلانات، من المناطق الّتي تقصف كل يوم، يشكرون فيها عمّال شركة الكهرباء على جهودهم في تقديم العون وإصلاح الأضرار في شبكة الكهرباء، وها هنا في الشّركة عامل باسم غنيزدوفيتش(غونين) بنيامين الّذي يحقّر الدّولة ,جيش الدّفاع الإسرائيلي وكل غال علينا في المؤتمرالأخير للحزب الشّيوعي.لم يترك أبناؤنا، جرحى حرب الأياّم السّتّة، المستشفيات بعد،ولم تجف الدموع على فقدان الغالين.لا يمر يوم تقريبا إلا ويتفجر جندي أو مواطن أو باص يقل أولادا بلغم وجيش الدّفاع الإسرائيلي يحافظ ويهتم بأن يتحرك ويتجوّل بنيامين غونين بيننا ويصب سمومه دون إزعاج.نحن نطالب عماّل شركة الكهرباء فرض الحرمان عليه واعتباره مبعدا وخائنا"
َ في اليوم التّالي لم يخاطبه أحد، وفجأة اقتحم وفد من معاقي الجيش مكتبه ولم يكن أحد منهم من عمّال شركة الكهرباء، بأيديهم عصي ويصرخون"أترك المكان، يا مكدر ومعكّر إسرائيل ليس لك ما تفعله هنا"وشتائم واهانات.وهذا وأكثر ما فعلته الأمهات الثكلى في اليوم التّالي حين هاجمن مكتبه.لم يقف صامتا ولم يقف حزبه جانبا لكنه فضّل المواجهة وحده ونجح في كسر الطّوق دون أن يتراجع قيد أنملة عن مبادئه.
في المجال النّقابي سأختار أحد فصول الكتاب كمثال، الخطّة الاقتصاديّة الجديدة، في العام
1985 الّتي نصّت على خفض الأجور بشكل حاد، وكان من نتائجها في السّنوات الثّلاث المقبلة، إغلاق الكثير من المصانع، واجتاحت البلاد موجة من الإضرابات والمظاهرات. وكانت موافقة الهستدروت على هذه الخطوات تعني أمرا واحدا، تفضيل المال على العمال.فصل صندوق المرضى عن الهستدروت، الحركة التعاونيّة (الكيبوتسات) تلقّت ضربة قاصمة.أعلن في كل من هذه السّنوات الثّلاث أكثر من 150 إضرابا، وكانت قمّة الإضرابات في العام 1987 حيث بلغ عدد المشاركين في الإضرابات 815 ألفا، وعدد أياّم الإضراب وصل إلى مليون يوم. في هذه الظروف انتقل رفيقنا من مصنع إلى مصنع ومن مظاهرة إلى أخرى ووقف مع العمال كي لا تثبط عزائمهم. قضى أيّاما ولياليَ في خيام الاعتصام، ناضل أن يكون الإنسان عاملا وليس عبدا.شعاره لم يكن الخطابات والشّعارات، بل أن يكون مع العمال في ضائقتهم، عندما يضربون ويضربون.
يخصص غونين لمصنع آتا فصلا خاصّا ويفضح خطة أصحاب المصنع الّذين اختاروا طريقة الفصل التّدريجي على دفعات بادعاء أنّ عمليات الفصل كانت ضمن خطّة إشفاء.ويتهم غونين الهستدروت بالتقاعس في حل الأزمة مع أنّ الشيوعيّين طالبوا الهستدروت بإعلان إضراب عام قطري َتضامنا مع عمّال المصنع، ويؤكد العلاقات الرائعة التي سادت بين العماّل العرب والعمّال اليهود في المصنع.ولكن في نهاية المطاف أغلق المصنع كعشرات المصانع الأخرى.
الفصل العاشر يخصصه الكاتب لدوره وزميله النقابي جمال موسى في حل مشكلة أكثر من خمسة آلاف عامل عربي في ايلات في العام 1982، وإثارة الموضوع للرأي العام ووسائل الإعلام.
ويصف بتوسّع المعاناة الّتي كان يعانيها هؤلاء العمال من ظروف سكن لا إنسانية وملاحقة الشّرطة لهم في ساعات الليل أثناء نومهم وإذلالهم، وتقاعس الهستدروت عن مد العون لهم.ويتناول في هذا الفصل أيضا قضية عاملات النّسيج في دير حنّا والمعركة التي خاضتها العاملات من أجل إلغاء تسعيرة الأجور الّتي وقّعت عليها الهستدروت والّتي تقضي أن تكون المكافآت على النتاج الإضافي للعاملة ضمن الراتب وليس إضافة له. ويشرح الدّور الّذي قام به مع النّقابي أ.دفيدي في إرشاد قائدات النّضال وعلى رأسهن عطاف خطيب والوقوف إلى جانب العاملات ضد إدارة مصنع لودجيا.وقد دام النضال من العام 1984 حتى العام 1992 .وقد أثمر النّضال ولم يستفد منه عاملات دير حنّا فقط ,بل كل عاملات وعمال النّسيج في البلاد يهودًا وعربًا.
يحتوي الكتاب على مقابلات مع شخصيات من الحزب ومن الهستدروت، يستعرض فيها دورهم ونشاطهم السّياسي والنّقابي وتقييمهم لعطاء بنيامين غونين ودوره في الحزب والهستدروت.ومقابلة مع بنيامين ويوخيفد، حياتهم العائليّة، تربيتهم لولديهما سمدار ويوسي اللذين يعانين من إعاقة منذ الطّفولة، وكيفية استمرار بنيامين ويوخيفد في نشاطهما السّياسي، رغم ما يتطلبه وضع ابنيها من جهد وتضحية.
(نُشر المقال في 06.12.2009 ويعاد نشره بمناسبة تكريم الشبيبة الشيوعية للمناضل النقابي بنيامين غونين في المسرح البلدي في حيفا يوم 03.04.2016)
