حائك السجاد يثبت مهارته وجدارته..!

single

مرة اخرى يثبت حائك السجّاد الايراني كم هو ماهر وبارع، ليس في حياكة السجّاد العجمي المعروف والمشهور فقط وانما يثبت المهارة والجدارة والاستحقاق عن اقتدار في ادارة الصراع الحضاري مع قوى الغرب الاستعماري، والذي استمر لعدة عقود، تارة عن طريق الحرب بالوكالة، وتارة اخرى بممارسة اقسى الضغوط والعقوبات، والتهديد المستمر باستعمال القوة المسلحة سواء عن طريق التهديد الاسرائيلي، او الامريكي الغربي الاسرائيلي المشترك.
كل هذا بحجة منع ايران من امتلاك سلاح نووي، مع ان القيادة الايرانية اكدت اكثر من مرة انها لا تسعى لامتلاك هذا السلاح، لانه من وجهة نظرها محرم شرعا، وانما تسعى لامتلاك التكنولوجيا النووية في الاغراض السلمية.
والحقيقة انهم حاصروا ايران، وحاولوا احتواءها ليس بسبب السلاح النووي المزعوم، ولكن لموقفها المناصر لقضايا التحرر والمقاومة في المنطقة، وبسبب انها تسعى بناء قوة ذاتية مستقلة تكون قادرة ان تكون ندّا حقيقيا للهيمنة الاسرائيلية في المنطقة. فالغرب حاول طيلة الوقت، ومنذ صدور البيان الثلاثي عام 1950، ان يجعل من اسرائيل أقوى من جميع الدول العربية مجتمعة، ولهذا حاربوا بكل قوة الحركة القومية العربية والمشروع القومي النهضوي، الذي جاء به الزعيم جمال عبد الناصر تثبيتا لمقولة البيان الثلاثي (الامريكي- البريطاني- الفرنسي). ونجحوا الى حد كبير في جعل اسرائيل شرطي المنطقة، تسرح وتمرح فيها على هواها، وتحتل هنا وتضرب هناك. لكن حائك السجّاد الايراني، وبعد ثورة الامام الخميني وقيام الجمهورية الاسلامية هناك، كان له قرار واضح بان يكون لإيران القرار المستقل والإرادة المستقلة، مهما كانت التحديات لبناء القوة الذاتية القادرة على كسر هذا الطابو الاستعماري. وهذا باختصار السبب الحقيقي في العداء لايران ومحاولة اخضاعها بالعقوبات والتهديد المستمر. واستعملوا في ذلك كل اسلحتهم الممكنة، وادواتهم على تعددها. ولجأوا اخيرا الى الشحن المذهبي واشعال الفتن الطائفية والمذهبية بين السنة والشيعة، لمحاصرة ما سموه "الهلال الشيعي". وجيّشوا الجيوش، وحشدوا الاعوان، وخاصة المال الخليجي والحكام الخليجيين، وافتعلوا الازمات، واشعلوا الحروب في اكثر من بلد، حتى يكسروا محور ايران وحلفائها. غير انهم فشلوا لان حائك السجّاد الايراني الماهر والبارع ادار معركته وصراعه بحنكة وحكمة، وبشكل اذهل الاعداء قبل الاصدقاء، كونه امتاز بالنفَس الطويل وقدرة الاحتمال، وفي نفس الوقت البناء الذاتي الفاعل والمؤشر، حتى اصبحت ايران قوة اقليمية عظمى لا يستطيع احد ان يتجاهلها.
وعندما نجحت ايران في امتحانها الصعب، وبقيت صامدة تتطور يوما وراء يوم، ادركوا ان الرهان على المواجهة العسكرية لم يعد مجديا، لانه سيكون كارثيا عليهم وعلى اصدقائهم، قبل ان يكون كارثيا على ايران. وسلّموا بالامر الواقع بعد مفاوضات مضنية كانت اصعب من ساحات القتال ودامت لاكثر من اثني عشر عاما. واخيرًا اعترفوا بحق ايران في امتلاك التكنولوجيا النووية، واعترفوا بايران قوة اقليمية عظمى. وهذا هو جوهر اتفاق فيينا التاريخي في الرابع عشر من تموز. وهو انتصار كبير ليس لايران وحدها، او لحلفائها وحدهم، وانما للبشرية اجمع، لانه يؤسس لعلاقات دولية جديدة لا تقوم على هيمنة القطب الواحد، وانما بداية عالم متعدد الاقطاب. وهذه هي القيمة الحقيقية لهذا الاتفاق التاريخي.
وكان امرًا طبيعيا ان تعارض اسرائيل هذا الاتفاق، الذي تم رغم انفها ورغم كل ما بذلته من عراقيل ومناورات، وحتى التدخل السافر في الشأن الامريكي الداخلي، حين استعْدت الكونجرس على الرئيس اوباما. لكنها في النهاية جنت الخيبة والفشل كما كان متوقعا. واهم ما في الاتفاق انه لم يتم من خلاله المقايضة على ملفات اخرى في المنطقة، رغم محاولات الغرب المستميتة في سبيل ذلك.
والذي تعرفه اسرائيل، ويجب ان يعرفه الجميع هو ان العالم بعد الاتفاق ليس كالعالم قبل الاتفاق، لان هناك وضعا جديدا، وايران وحلفاؤها في المعادلة الجديدة يدهم هي العليا. وهذا ما سينسحب ايجابا على كل ملفات المنطقة، والتي سيتم التعاطي معها في الاسابيع والاشهر القادمة. فمحور المقاومة اصبحت له قوة مضافة، هي هذا الاعتراف الدولي بايران. كما ان عشرات المليارات من الدولارات الايرانية المجمدة ستعود الآن الى اصحابها، لتكون دعما حقيقيا لهذا المحور المقاوم والممانع. وهو مؤشر لأفول عصر الهيمنة الاسرائيلية، لان اسرائيل بعد الآن لن تستطيع ان تفعل شيئا ضد ايران. لقد كان هذا صعبا ايام حصار ايران، والوضع اليوم اصعب مئة مرة على اسرائيل، لان اي ضرب لأي منشأة ايرانية سيعتبر عدوانا على منشأة مدنية سلمية، ولن يكون لها غطاء دولي لمغامرة من هذا النوع. وهو مستحيل اصلا، تحسبا من ردود الفعل المحتملة. ولن يكون أمام اسرائيل بعد الآن الا ان تعيد حساباتها المغامرة، او السير في اللامنطق وصولا الى حافة الهاوية...!!
قد يهمّكم أيضا..
featured

الدبلوماسية الحمقاء والاحتلال الوحشي البربري – همجية العدوان على غزة نموذجا(2-2)

featured

رجال ونساء من فلسطين: المقاوِم خليل بدوية

featured

الاقتصاد الاسرائيلي وانتفاظة الجياع القادمة

featured

باقة باقية وهم المارقون!

featured

جاء ليكحّلها فعماها

featured

طمس عروبة القدس

featured

"الهزائم ليست قدرا"

featured

هل ذوّتنا درس الانتخابات المحلية الاخيرة لمجلس طلعة عارة؟