عملت السلطات الإسرائيلية والمؤسسات الصهيونية دائما على نهب الآثار الكثيرة المنتشرة في بلادنا، منذ عشرات السنين، في مسعى إلى تثبيت حقها في البلاد دون غيرها. ويندرج ما كشف عنه تحقيق صحيفة هآرتس، أمس الأول الثلاثاء، حول الحفريات الجارية في موقع مقبرة مأمن الله في القدس، في هذا السياق. فقد أصبحت هذه المقبرة الإسلامية التي يعود تاريخها إلى ألف عام مضت إما خالية من رفات وعظام الموتى العرب أو أن هذه العظام مجبولة بالتراب بعد تكسيرها خلال الحفريات، التي جرت في السر لبناء ما يسمى ب"متحف التسامح".
ومما لا شك فيه أن الاسم الجديد الذي سيطلق على المكان، "التسامح"، لا يتناسب أبدا مع الأعمال غير الأخلاقية التي ارتكبها المبادرون للمشروع. كما تبين أن قسما من المسؤولين الإسرائيليين الضالعين في المصادقة على المشروع على أنقاض مقبرة مأمن الله متورطون في قضية "هوليلاند" التي تعتبر أكبر قضية فساد في تاريخ إسرائيل. وتجدر الإشارة إلى أن المبادر لنهب أرض المقبرة هو الحاخام مارفين هاير، رئيس مركز يهودي – أميركي باسم "شمعون فيزنطال"، والذي يعتبر أحد قادة المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة.
وورد في تحقيق وصف من أحد العاملين في الموقع حول سير أعمال الحفريات في المقبرة، قائلا إنه "كنا مثل جيش صغير. عمالٌ يشرف عليهم مدراء مناطق ويديرهم علماء آثار. والهياكل العظمية نفسها كانت تتفتت، وكنا نحرج ما يمكن إخراجه. وفي حال نجحنا في ذلك كنا نضع العظام في علبة، وإذا تفتت فكنا نبقيه في الأرض" التي ستحفرها الجرافات لاحقا.
وقال عامل آخر إنه "كنا نعمل بسرعة. هذه كانت أوامر المدراء. 24 ساعة. ثلاث ورديات كل واحدة من ثماني ساعات... لم يكن هذا عمل في الآثار وإنما مقاولة".
كذلك أكد عالم الآثار الإسرائيلي غدعون سُلِيماني، الذي كان أول من أجرى حفريات في مقبرة مأمن الله، في العام 2005، بتمويل من مركز فيزنطال، على أن إجراء" حفريات جدية بإمكانها أن تكشف معلومات هامة عن حياة السكان المسلمين في القدس خلال الألف عام الماضية". لكنه أردف قائلا إنه تمت ممارسة الضغوط عليه للإسراع في إخلاء القبور من دون الحرص على المقاييس المهنية.
ويبدو أن المبادرة لبناء "المتحف" في مقبرة مأمن الله لم تكن من قبيل الصدفة أو لمجرد السعي لنهب الأراضي والأوقاف. وإنما الهدف الأساسي من وراء المشروع هو محاولة إخفاء وطمس معالم التاريخ العربي في القدس وعروبتها.
