جماهيرنا تستحق من لجنة المتابعة أكثر

single

زيارة وفد الجماهير العربية إلى ليبيا لم تزد من هيبة جماهيرنا أمام ليبيا والعالم، لا بل انتقصت منها، وهذا ليس بسبب الزيارة من حيث المبدأ، فهي زيارة هامة والمبادرة الليبية كانت أيضا على قدر كبير من الأهمية، وإنما بسبب تصرفات وممارسات جهات ما في داخل مجتمعنا، تشارك في لجنة المتابعة.
وما استدعاني لما سأكتبه هنا، ليس الزيارة بحد ذاتها، بل لأن ما لمسته قبل الزيارة وخلالها، قد أكد قناعاتي من لجنة المتابعة الحالية، وخاصة مسألة نظامها الجديد الذي تم إقراره في الآونة الأخيرة، إذ أسمح لنفسي بالقول، إنه في أحد الاجتماعات الأخيرة للسكرتارية القطرية للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، كنت قد اعترضت بشدّة على موافقة الجبهة والحزب الشيوعي على مأسسة لجنة المتابعة بهذا الشكل، وفي هذه الظروف بالذات.
وهذا موقفي كان وما زال، وتعزز في زيارة ليبيا، التي أتيح لي المشاركة فيها إعلاميا، فبطبيعة الحال لا اعتراض على أن تنظم نفسها كل أقلية تواجه الاضطهاد والتنكيل كحالتنا في البلاد، فهذا أساس نضالي هام جدا، بل لأن الحالة السياسية والحزبية الداخلية بين جماهيرنا تشهد دركا خطيرا على جميع المستويات، وتواصل التدهور، إن كان من خلال ظهور أحزاب على الورق فقط، أو بسبب جهات سياسية لها حضور ما على الساحة لا ترتقي إلى مستوى التعامل السياسي المطلوب في ظل التحديات الخطيرة التي نواجهها جميعا دون استثناء، فالتعددية أمر صحي، ولكنْ للتعددية أصول في التعامل السياسي، خاصة بين أطر سياسية اختارت أن تلتقي في إطار من المفترض أن يكون كفاحيا في المعارك المشتركة.
فلجنة المتابعة ثبّتت أحزابا وأشباه أحزاب ليس لها أي وجود على الساحة، وباتت جزءا أبديا من اللجنة دون أي حق، وكان على من بادر إلى إعادة بناء اللجنة أن يحدد أولا ما هو الإطار السياسي المعترف به، ووضع حد أدنى لشروط الاعتراف به كحزب.
فكيف من الممكن مثلا أن نعترف بوجود حزب غير قادر على أن ينظم مظاهرة لألفي شخص، وحتى ألف شخص، في مكان يبعد عن بلدة "مؤسس الحزب"، أو أن هذا الحزب لا يستطيع الفوز بعشرة مقاعد أو خمسة مقاعد من أصل ما بين 750 إلى 850 مقعدا في المجالس البلدية والقروية والإقليمية، ولن أتحدث عن رئاسات سلطات محلية.
وكيف من الممكن أننا لا نعرف من الحزب سوى شخصه الأول، وأحيانا يظهر إلى جانبه واحد أو ثلاثة ليختفوا بعد فترة قصيرة، فهذه أحزاب بات لها مقاعد في لجنة المتابعة و"وجهة نظر"، فهل بالإمكان القول إن لجنة المتابعة تستطيع بهذه الحالة المتردية أن تدعي تمثيلها لمزاج الشارع بشكل حقيقي.
والسؤال الذي لا يقل أهمية: هل مستوى التضامن الداخلي بين الأحزاب المختلفة يرتقي إلى الحد الأدنى المطلوب، لضمان انسجام ما في المتابعة رغم الخلافات؟ والجواب هو لا.
فكيف من الممكن أن نكون في خندق واحد لمواجهة المعارك، وفي نفس الوقت هناك من يطعن بك وانت في قلب الخندق؟ وكيف من الممكن أن يقبل على نفسه اطار سياسي ما أن يكون شريكا لاطار سياسي آخر أو أكثر، وهو يخونه دون توقف؟ ألا يورط نفسه في أنه شريك "الخيانة".
كلمة فضيحة، تبقى خفيفة لوصف ممارسات البعض قبل وبعد الزيارة، وخاصة لدى تشكيل الوفد، فأصابع سوداء تلاعبت كثيرا في إعداد الوفد وتدخلت إلى درجة مخزية، وكان الله في عون السفير الليبي في عمان الدكتور محمد البرغثي، الذي رغم دماثته وطيب لقائه، لم يستطع الكبت أكثر، وقال ما قال خلال لقائه الوفد في بيته في عمان.
كيف من الممكن أن يكون تمثيل أكبر إطارين على ساحة جماهيرنا هو الأقل على الإطلاق من بين كافة الأحزاب، وأحد هذين الإطارين، ولست مخولا بذكر اسمه، كاد يمثله الشخص الأول فيه فقط، بينما حزب آخر أقحم ثمانية أشخاص، وحزبان آخران أدخلا ما بين ثلاثة إلى أربعة، وبات الوفد متضخما إلى درجة غير مفهومة على الإطلاق، فهناك من قال إن الوفد لا يمثل حقيقة جماهيرنا العربية وأنا موافق على هذا الوصف.
والأمر لا يتوقف هنا، بل استمر في سير الزيارة في عمان وطرابلس، وخاصة في اللقاء مع القائد الليبي، فقد ألقيت هناك خطابات، بعضها بالتأكيد مخجل إلى درجة الذهول، فذاك يشطح ويمرح في وقت غير محدود، وغيره مثله. وهناك من اختار هذا اللقاء ليفرغ عقده النفسية ومقارعاته الحزبية ضد الأحزاب الأخرى أمام القيادة الليبية، وليختتم أحدهم اللقاء ليبشرنا أننا لم نكن في استضافة ليبيا بل في استضافة حزبه، وحكاية "حزبه" هذه  لغز كبير.
كيف من الممكن أن تتم استغابة أهم اطار وحدودي بين جماهيرنا في القاء الكلمات، والحديث هنا عن لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية، ورغم ذلك فقد كانت خطابات منضبطة تبرز لون صاحبها باحترام ومسؤولية تجاه جماهيرنا، ولكنها الخطابات الأقل أمام باقي الخطابات.
في كل المجتمعات البشرية التي تريد أن تتقدم وتتطور يجب ان تكون لديها انظمة تنظم عملها وحركتها، وهذا أمر مفقود لدينا، وإذا أردنا القول إن وفد ليبيا يمثل جماهيرنا، فكان يجب أن يكون منظما بالضبط كما هو واقع جماهيرنا، وهذا قطعا لم يكن، فالكثير من الممارسات كانت مخزية، ولست في معرض أن أنشرها هنا.
إخترت هذا لأعلن من هنا، أنني مُصرٌ على أن يبادر الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية لإعادة النظر في كل مسألة تركيبة وتنظيم لجنة المتابعة وآليات عملها، وأتمنى أن تنضم لهذه المبادرة أكثر من جهة، أنا من ناحيتي سأحمل هذا الطلب إلى مؤتمر الجبهة العام الذي سيعقد بعد أسابيع قليلة.
جماهير شعبنا ناضلت في أحلك الظروف، حينما كان كل شيء صعبا للغاية، ولم تكن أضواء إعلامية. وبفضل ذاك النضال نحن هنا اليوم. هذه الجماهير تستحق أكثر، وأكثر بكثير مما هي عليه لجنة المتابعة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

بوكر طوف دَكتور

featured

زواج مبارك من مصر باطل

featured

أشهر من الحمص؟!

featured

الشعب الفلسطيني: بين مؤامرة الاعتراف، إلى فرضية الشطب والمحو والتهميش

featured

استأنف العدوان

featured

من الذي سينتصر في معركة الجرف المتين أو العصف المأكول؟!

featured

"مَن يصبر إلى المُنتَهى...يخلُص"

featured

عن قوس قُزح والقرامطة واليَسار ؟؟؟