لا أدري لماذا كلّما تعرض المواطنون المسيحيون في بلادهم، للقتل والتهجير، أو لتدمير وحرق كنائسهم ومكتباتهم ومخطوطاتهم، ولسرقة بيوتهم وممتلكاتهم، ولاغتصاب نسائهم وبناتهم، ولمحاولة إكراههم على الجحود بإيمانهم ومعتقدهم الديني، على أيدي المرتزقة الإرهابيين المجرمين، كما يحدث في الموصل ونينوى - لا أدري لماذا يردّد كثيرٌ من المتحدّثين المسيحيين من كهنة وعلمانيين مقولةَ، إنّ هؤلاء المسيحيين أناسٌ مسالمون لم يفعلوا شيئاً ليستحقّوا كل هذا الاضطهاد والتعذيب والترويع!... فهل يوجد مبرّرٌ لتصرفات الإرهابيين؟! وهل لو لم يكن بعض المواطنين المسيحيين أناساً مسالمين، هل يحِق لإرهابيّي داعش أو لغيرهم، أن يقتلوهم ويحرقوا معابدهم ويسوقوا نساءَهم في أسواق الرِّقّ "وجهاد النكاح"؟!.. هل يوجد ما يمكن اعتباره ذريعة شبه مقبولة لتصرّفاتهم هذه التي لا تقاس بأيّ مقياس آدميّ؟!
هؤلاء القتلة البرابرة، لا يهتمّون بسلوك المسيحيين ولا يعاقبونهم بسبب سوء تصرفاتهم، بل لكونهم مسيحيين فقط! فهل يمكن أن ننتظر منهم تفهماً أو تقبلاً للآخر؟! لذلك، لا داعي لترديد المقولة التي ذُكِرَتْ، لأننا بترديدها نكون كأننا نفتّش لهم عن مبرّر لهمجيّتهم، بينما لا يوجد أي مبرّر، ولا يمكن لأيّ عاقل أن يقبل أيَّ مبرِّر!
***
ولا يغُرّنّنا رفعُهم القرآن الكريم، أو تكبيرهم وتهليلهم أثناء تنفيذ جرائمهم! فهم مارقون مُراءون، يظنّون أن المسلمين الحقيقيين يُبهَرون بشعاراتهم ويوافقونهم على شرورهم وموبقاتهم، بينما نحن نؤمن أن المسلمين الحقيقيين، وهم الأكثرية الساحقة، يدينون وحشيّتهم وإساءَتَهم للقرآن الكريم، ولا يعتبرونهم مسلمين أبداً، لأنهم قد شَوَّهوا ويشوّهون قِيَمَ الإسلام وتسامحه ومَناقِبيّتَهُ!..
هؤلاء السفّاحون لا دين لهم، حتى لو رفعوا كلَّ الكتب المقدسة، لأنهم يُخالِفون كلَّ تعاليمِ هذه الكتب، ويضعون حدّاً لنعمة الحياة التي منحها الله للناس، فكيف يجرؤون أن يدَّعوا الإسلامَ ديناً، وكيف لا ترتفع جميع أصوات المسلمين المؤمنين بالله الرحمن الرحيم، استنكاراً ورفضاً وإدانةً لتصرّفات هؤلاء البرابرة الذين يختفون بعباءة الإسلام؟!.. هل لأنهم يدّعون السُنَّة مذهباً، ويحاولون القضاء على كل مَن يختلفُ عنهم ديناً أو مذهباً؟!.. إنني أتساءَل بألم شديد، ولا أقرّر حقيقةً مؤكّدة! فأبناء السنّة الكرام لا يمكن أن يتدهوروا إلى مثل هذا الدَّرَك!.. وإذا كنتُ أتساءل، فلأنني أريد أن أهيب بهم أن يكونوا سبّاقين في إدانة ما يقترفه هؤلاء الجلاوزة المارقون من جرائم بحق كلِّ من هو غير مسلم سنّيّ في العراق! هذا ليعلموا أن الأغلبية الساحقة من الطائفة السُنِّيَّة الكريمة ليس فقط لا يتماهون معهم، أو يتعاطفون، بل يدينون جرائمهم، ولا يقبلون بأي حال أن يُقحَمَ الإسلام السنّي في مثل هذا الإرهاب!.. وهذا علماً، بأن المسلمين السُّنيين، في مصر الكنانة، كإخوتهم المسيحيين، ما زالوا يتعرضون للإرهاب الوحشي من داعش "السنيّة" وأخواتها المجرِمات...
***
كيف أضحى برابرة داعش هؤلاء، بهذه القوة، لدرجة يستطيعون أن يحتلوا مدناً كالموصل ونينوى، وقرى عديدةً حولهما، ويتحكّمون في سكانها بشكل لم يسبق له مثيل من العنف والوحشيّة والهمجيّة؟! هل فقط لأن الجيش العراقي ضعيف ومفكّك؟ وهل فقط لأن أسلحة البرابرة حديثةٌ ومتنوّعة؟ والأموال في متناول أيديهم كثيرة ولا حصر لها؟... كل هذه الإجابات صحيحة! ولكن، مَن هو الذي أضعف وفكّك جيش العراق؟ ومَن ذا الذي زوَّدَ هؤلاء الإرهابيين بأحدث الأسلحة وبهذه الكميات الهائلة منها، ومن الأموال الضخمة التي يمتلكون؟
هؤلاء هم أصحاب المصالح والمخطّطات الجهنّميّة، وأعوانهم بل عبيدهم في المنطقة! هؤلاء هم أصحاب القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، وأعوانهم في بريطانيا وفرنسا وأستراليا، وعبيدهم في تركيا وقطر... فقد احتلّت القواتُ المسلّحة الأمريكية العراقَ عام 2003، "وتركته" بعد حوالي عشر سنوات مُمَزَّقاً ضعيفاً، دون جيش قوي متماسك، الأمر الذي سهّل على داعش ربيبتها الدخول إلى العراق حسب تعليماتها ومعلوماتها العسكرية، وبأسلحة حديثة من تركيا وليبيا وأموال طائلة من قطر!
لقد فشل مخططهم في تمزيق سوريا بواسطة عملائهم الإرهابيين التكفيريين من داعش وغيرها، وتقسيمها إلى دويلات طائفية، فانتقلوا إلى العراق المقسّم الضعيف، وبدأوا، بناءً على توجيهات أربابهم، يحتلّون بعض المناطق النفطية، وبعض المدن كالموصل، وقرى منطقة نينوى، وأحياء عديدة من أربيل عاصمة كردستان!
وفي الموصل، كما ذكرنا أحرقوا الكنائس، "وخيّروا" المسيحيين بين إعلان إسلامهم، أو دفع الجزية أو القتل! وبالفعل فقد قتلوا الكثيرين بقطع رؤوسهم بالسيوف، وأغتصبوا العديد من النساء، واضطرّ الآلاف منهم إلى الهرب للمناطق الكردية أو إلى أي مكان!.. كذلك تعاملوا بالمثل مع اليزيديين والتركمان وغيرهم!
وأعلن أوباما أن داعش "قد بالغت"!، لذلك فإن أمريكا ستزوِّد الأكراد بالسلاح، والآخرين بالغذاء والماء!.. أمّا أن تأمر كلابَها بالانسحاب من القرى والمدن، والسماح للمواطنين العُزّل بالعودة إلى بيوتهم، فلا!! لأنها معنية "بالخلافة" الساقطة الهمجيّة!...
***
ويا أهل الموصل والجِوار! إنكم تُصلَبون اليومَ ، وتتحمّلون آلام الصليب والموت.. لكن القيامة والخلاص والانعتاق هي النتيجة الحتميّة لكلّ مَن يؤمن ويصبر ويتحمّل.. ولا تظنّون أنكم ضعفاء! إنكم الأقوى بصبركم وثباتكم على إيمانكم. وتذكّروا أنّ " كلَّ مَن يصبر إلى المُنتَهى يخلص". هذا هو الوعد الإلهي الذي لا بُدَّ أن يتحقّق!
أمّا الذين يظلمونكم ويقتلونكم ويحرقون بيوتكم ومعابدكم، والذين يدعمونهم بالمال والسلاح والصمت، فالوَيْل لهم من عدالة السماء، الويْل لهم!...
(المكر-إقرث)
