السَّفَرُ الأَوَّلُ

single

غمرني الفرح عندما اختارني الحزب الشيوعيّ "راكاح" لأشارك في وفده في مهرجان الشباب الديمقراطيّ العالميّ في هافانا عاصمة جمهوريّة كوبا الاشتراكيّة في صيف العام 1978 فقد كان هذا سفري الأول إلى خارج البلاد، والسفر الأول مثل الحبّ الأول تبقى حلاوته في القلب وفي الروح عقودا، ولا ينساه المرء أبدا، كما تترك جراحه في النفس ندوبا لا تمحوها ولا تزيلها أيّة عمليّة تجميل عصريّة.
  في طريقنا من البلاد إلى كوبا قضينا يومين في مدينة سيناي السياحية الرومانية ويومين آخرين في مدينة موسكو عاصمة الاتحاد السوفييتي يومئذ، وقد بهرني جمال الطبيعة مثلما بهرني منظر الكرملين والساحة الحمراء وضريح لينين.
  كان شوقي لرؤية العالم الاشتراكيّ، حلم البشرية ومخلّصها من الاستغلال ومن الفقر ومن الجوع ومن الاضطهاد، وكان حلمي بالتعرف على الشعب الكوبيّ البطل الذي تحدّى جبروت الاستعمار الأمريكيّ لا يقلان عن شوقي ورغبتي بلقاء شبان عرب وبخاصة فلسطينيين بعد ثلاثين عاما من الحصار السياسيّ والإنسانيّ والاجتماعيّ والثقافيّ الذي فرضته علينا حكومات إسرائيل منذ النكبة.
  قضيتُ أسبوعين غنيين في هافانا والتقيت بعشرات الشابات والشبان من فلسطين والجزائر واليمن وسوريا ولبنان والبحرين والعراق وليبيا وكان من بينهم الكاتب الروائيّ الكبير الياس خوري والشاعر الفلسطينيّ الكبير أحمد دحبور الذي كان يسألني يوميا كلما التقينا عن حيفا وعن وادي النسناس مما أوحى لي بكتابة قصة قصيرة أحبّها اسمها "خارطة جديدة لوادي النسناس".
  فرحتُ في تلك الأيام وأنا أشاهد آلاف الشابات والشبان من أوروبا وآسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية توشّح أعناقهم الكوفيات الفلسطينية تضامنا مع الرئيس ياسر عرفات وشعبه وثورته.
  وحزنتُ يومئذ لأن السلطات الكوبية حالت، بطريقة ذكية ولبقة، بين وفدنا وبين المشاركة في المهرجان الكبير الذي ألقى فيه ياسر عرفات خطابه فلم نرَ الرجل ولم نسمعه. كما أحزنني موقف اخوتنا الليبيين والعراقيين منا فقد كنا بنظرهم وفدا صهيونيا وصل إلى هافانا بجوازات سفر إسرائيليّة وليس بجوازات سفر عربيّة ولو من جزر القمر.
  عدتُ إلى الوطن مشتاقا للقاء العائلة التي لم أتصل بها ولم تتصل بي طيلة أيام رحلتي لأن قريتي وبفضل "المساواة التامة" بين مواطني دولة إسرائيل كانت خالية نظيفة من أيّ تلفون عموميّ أو خصوصيّ. وما أن هبطت الطائرة في مطار اللد الذي صار اسمه مطار بن غوريون وإذ بضابط شرطة يقف على بابها متجهما وينادي باسمي ثم يصادر جواز سفري ويقودني إلى سيّارة عسكريّة.
  تأبّط ذراعيّ شابان قويان من رجال الأمن وقاداني إلى قاعة استقبال الأمتعة انتظارا لحقيبتي. سألتهما: هل أنا معتقل وهل معهما أمر قضائيّ باعتقالي؟ فلم يجيبا ونظرا إليّ باستعلاء وكأنهما يقولان: "عربوش" ويسألاني!
  كان المستقبلون والعائدون والمسافرون في قاعة المطار يقفون للحظات ويحدّقون بي ولعلهم كانوا يظنّون أنّ أمن المطار ألقى القبض على إرهابيّ خطير أو على تاجر مخدرات أو على إنسان هارب من العدالة.
  سرق أبناء "الهيك وهيك" الفرح الذي جنيته من رحلتي ولم ينقذني من أذاهم سوى شجاعة صديقي الشاعر النائب توفيق زياد الذي حضر لاستقبال ابنته وهيبة العائدة من مخيم أرتك للأطفال في الاتحاد السوفييتي فلما شاهدني صرخ بصوته الجهوريّ المعروف: ما هذا يا فاشيست؟
  وكان صراخ. وكان شجار. وكان هرج. وكان مرج. وكان تجمهر. وهرول ضابط كبير وناولني جواز سفري..   

قد يهمّكم أيضا..
featured

إلى روحك الثائرة يا أبو ثائر

featured

الربيع البلدي

featured

الاسم الشخصي أو اللقب، أيهما نستعمل؟

featured

"عائد الميعاري يبيع المناقيش في أرض الزعتر"

featured

جَرْجَروهُ إلى المحاكم ( 13)

featured

ديسكين وعرانيس الذرة

featured

رفيقي أبا محمد أحمد سعد لقد حملت هم النكبة والطبقة العاملة ضد الظلم والطغيان

featured

حقائق وأوهام في القدس