لم يغادر خاطري ما حدث لي مع بائع الذرة الافرنجية.
كنت عائدا من حيفا. على طول الشارع تمتد بسطات يبيع اصحابها تلك العرانيس الخضراء اليانعة الطازجة المدملجة الملفوفة كعروس ليلة دخلتها. تساءلت: هل هذه الغلال من اراضي هؤلاء الفتية العرب الذين يبيعونها، ام انها مما كانت يوما ارضهم، ثم تحولوا الى اُجراء فيها بعد مصادرتها؟؟
"قحمت" النفس وانفتحت الشهية، فرحت ابحث عن بائع منعزل، خشية ان يضبطني شرطي ابن حرام، ويحرر لي مخالفة، "فتقف" عليّ الكيلو بمئة شاقل ونيف، كما حدث لي في المرة السابقة.
اقترح عليّ صغيري تأجيل الشراء، فغدا نحن في الناصرة، ومن هناك نشتري، لكنني ركبت رأسي.
- بكم الذرة يا شاب؟
- الثلاثة كيلوغرامات بعشرين شاقلا.
- يعني الكيلو ونصف الكيلو بعشرة شواقل، قلت وفي نيتي الاكتفاء بهذه الكمية.
- لا. اصر. بل الثلاثة كيلوغرامات بعشرين شاقلا!
ولما عجزت عن اقناعه، نقدته المبلغ وحملت ما اشتريت.
في اليوم التالي، وخلال المسيرة النصراوية التي انطلقت في الثامن والعشرين من نيسان، احتفالا بالاول من أيار، لفتت نظري اكوام الذرة على جنبات الشارع. وشعرت بالغبن حين عرفت انها تباع بنصف السعر. صغيري علل الفرق بان ما اشتريناه أمس طازج.
واضاف مازحا: عشرة شواقل ثمن الذرة وعشرة شواقل ثمن الطزاجة!
ارتحت. ثم شردت.
بماذا تفكر؟ سأل الصغير.
افكر بهذه القدرة الهائلة الكامنة في هذا الحزب. كيف يستطيع تحشيد هذا الكم من بني البشر، المتدفق كمياه الجداول من كل المفارق، منصبا في ميدان عواد -عفيفي. لا اعتقد ان حزبا آخر او جهة اخرى بامكانهما فعل ذلك.
بل بامكان بعض الآخرين ان يفعل ذلك! علق صغيري. فهمت قصده.
لكن الفارق جلي. هنا يعتمدون فقط على ما ترسخ في اذهان الناس من قيم انسانية ومبادئ اممية. وهناك يوظفون الدين ويتاجرون به. والاتجار بالدين واستخدامه في التحشيد، لا يقتصران على دين دون غيره، ولا على طائفة دون سواها. الجميع يتاجرون، والجميع يبيعون حصصاُ في الجنة ويبيعون صكوك الغفران. ان حزبا يملك مثل هذا الزخم، في زمن تراخت فيه الهمم، لهو حزب جدير بالبقاء ويجب ان يبقى.
يسألني من حولي عن حجم المسيرة للاطمئنان، باعتباري محطة رصد، بفضل قامتي المديدة، امدّ البصر الى الخلف، فأكاد لا ارى اخر المسيرة. ثم ارتد ببصري الى الأمام، فإذا بطلائع المسيرة قد اخذت تتدفق مطرا نقيا صافيا على بيت الصداقة. واسمع طرق الطبول آتيا من بعيد.
ينبهر صغيري، لا بالكمّ فقط، بل بالنوعية العمرية قبل ذلك. فهنا اطفال محمولون على كواهل الآباء. وهناك رضّع في عجلات تدفعها الامهات بتؤدة. وهنالك من بدأوا يصارعون العمر متوسلين: هبني فرصة مشاركة أخرى في أيار القادم. يسألني صغيري: متى كانت المسيرة الاولى؟
أحاول لملمة خيوط الذاكرة، فلا تطفو على سطحها، سوى مظاهرة ايار العام 1958. وكنا "شلافيح" آنذاك. تحولت الناصرة في ذلك اليوم الى ميدان عراك بين الشرطة والشعب (الذي هو في خدمته!!) فأْصيب من اصيب من الطرفين، واعتقل مئات الشيوعيين، وزج بهم في قاووش واحد، ليشكلوا بذلك خلية حزبية جديدة في السجن، فما هرب منهم واحد، ولا ارتحل قسرا، لا الى ديمقراطية قطر، ولا الى حرية السعودية!!
كانت السلطة في تلك الفترة، قد توهمت انه تم تدجين أهل الناصرة. وهم يحبون الطرب، وعلى كأس عرق واحتفال أم كلثوم الشهري، يسهرون الليل بطوله. الا ان ليالي الرقص والغناء التي احيتها المطربات والراقصات من مهاجرات الوطن العربي اليهوديات، في الشوارع، بمناسبة عاشوراء الاستقلال، لم تزد الناصرة والجماهير العربية، غير اصرار على احياء يوم العمال العالمي في ظل راياته الحمراء.
وفي تلك الفترة كانت نقابة العمال (الهستدروت)، تبحث عن العمال العرب في المصانع والمعامل والورش، لا لتوزيع الورود عليهم، بل لطردهم من العمل، حفاظا على طهارة العمل العبري (حاليا يعتقلون كل من يضبطونه يعمل في اسرائيل من الفلسطينيين!). وفي الاول من أيار تنظم هذه النقابة مظاهرة عمالية، يهتف فيها بعض العمال " عاش ايل اوار "!
فهل تكون معركة انتخابات الهستدروت بعد ثمانية عشر يوما، نجاحا للصوت الجبهوي المدوي المقاوم، ام ان ورثة حاييم رامون، سيواصلون مشروعهم في تدمير العمل النقابي؟ ها نحن ننبّه، فلا تقولوا لم نعلم.
وأظنكم لا توافقون زعيمة حزب العمل، شيلي يحيموفتش،التي تنفي وجود علاقة بين سياسة اسرائيل الحربية، وبين الاوضاع الاجتماعية ورفاهية الطبقة العاملة او بؤسها.
يوفال دسكين، رئيس جهاز المخابرات السابق، حذَر من هذه السياسة، قائلا: ان توجيه ضربة لايران، لا يؤدي الى الغاء برنامجها النووي، بل الى تسريعه، فهل يستطيع ديسكين اقناع براك ونتانياهو، ام ان هذين الشريرين سيصران على ان الكيلو ونصف الكيلوغرام بعشرة شواقل، لا تساوي الثلاثة كيلوغرامات بعشرين شاقلا!!
وكل عام وعمال العالم جميعا بألف خير.
- شيفرا
لا يهمني اذا نجح عمرو موسى في انتخابات الرئاسة المصرية، او فشل. ما يهمني ان تحافظ الواو في اسمه على نفسها كتابة، لا لفظا، باعتبارها للتمييز بين عُمَر و عَمرو، ولم تكتب لتلفظ!! هل هذا مفهوم ام لا، أيها المذيعون والمتحدثون؟
