بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلي بتناقل خبر موافقة حكومة إيهود براك لرئيس المعارضة، في ذلك الحين أريئيل شارون، بزيارة باحات المسجد الأقصى في القدس.
كنا في السيارة، بطريقنا إلى اجتماع في إحدى ضواحي القدس، عندما سمعنا تأكيدًا لهذا الخبر. اتصلتُ مع مكتب قائد شرطة القدس مستفسراً عما نسمعه وناقلًا احتجاج فيصل الحسيني وتحذيره من مغبة هذا الاستفزاز.
كانت أيامًا صعبة. العملية السلمية لم تسفر عن أي تقدم عملي، وإحباط الشارع الفلسطيني ينذر بانفجار وشيك، خاصة بعد أحداث ذكرى النكبة والصدامات التي رافقتها قبل أشهر معدودة من هذه الزيارة.
استدعيتُ إلى مكاتب قيادة شرطة القدس. فيصل ومرافقوه قرروا الانتظار في أحد الفنادق وكنا على اتصال دائم ومباشر.
شوارع القدس بدت عادية كما في كل مساء. حركة تجارية وئيدة. قلة من المارة المتعبين يستقلون حافلات "الفورد" التي أصبحت وسيلة النقل العام الوحيدة. بعض من أصحاب "البسطات" يحلمون بالتخلص من ما تبقى لديهم، ليضمنوا رغيف خبز من ينتظرهم جائعاً في البيت. هدوء "قدسي" يوشي بالتعب واليأس.
وصلتًُ إلى مكاتب قيادة الشرطة وكان بعض المسؤولين في انتظاري. نقلتُ مجدداً إصرار فيصل وطلبه إبطال الزيارة المقررة لصباح الغد 28.9.2000، موضحاً ومصراً، أنها ستشعل فتيلاً لا أحد يقدر أن يتنبأ لأين سيؤدي.
سمعتُ من محدثيّ تقييماً مشابهاً، وأعلمتُ أنهم بانتظار رد المسؤولين. طال انتظاري وشارفت الساعة على التاسعة ليلاً. لم استلم رداً قاطعاً. أخبرتهم أنني مجبر على العودة، ففيصل ينتظر وهنالك أمور يتوجب متابعتها.
ما أن غادرت، وقبل وصولي إلى فيصل، أعلمني المسؤول الإسرائيلي أن الحكومة الإسرائيلية قد "فقدت صوابها"، وعلى ما يبدو فجنون السياسة والسياسيين فوق كل اعتبار، حتى وإن أوصى بعض من قادة الأمن وحذر من مغبة فعل كفعل شارون المزمع.
كانت حكومة باراك ضعيفة ورائحة انتخابات عامة في إسرائيل بدأت تفوح في الأجواء. ضعفها هذا وخشيتها من مزايدة مستفز كشارون أدى إلى إعطائها الموافقة للقيام بهذه الزيارة. أما شارون فقد خطط لأن يسجل نقاطاً ليضيفها إلى رصيده المبني أصلاً على دماء ضحاياه من الفلسطينيين والعرب، علاوة على مناكفته لزميل حزبه بنيامين نتنياهو، الذي بدأ يخطط للعودة إلى الحياة السياسية بعد أن أعلن المستشار القانوني للحكومة، في تلك الأيام، عن إغلاق ملف التحقيق ضده بقضايا فساد.
قام فيصل باتصالاته مع القادة الفلسطينيين ومع قناصل الدول الأجنبية، وحاول كذلك أن يجند أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين للتواجد في صباح الغد داخل الأقصى.
خشي
فيصل من تداعيات ما قد يحصل، وتوجس من مآرب شارون لجر المنطقة إلى هاوية لا عودة منها، وهو الذي آمن أن الحرب والمقاومة المسلحة هي الوجه العنيف للسياسة، وهي كذلك أدوات لتحقيق الأهداف السياسية، ولذلك كل عمل عسكري، وإن اعتبره البعض عملاً ناجحاً، لن يكون هكذا إذا لم يحقق هدفاً سياسياً مبرمجاً ومستهدفاً.
قرر القيمون على زيارة شارون تقديم موعدها بساعتين، وذلك تحسباً لما قد يحصل، أما فيصل ومن حضر من الفلسطينيين وصلوا إلى باحات الأقصى في الساعة السادسة صباحاً.
أعداد الجنود وأفراد الشرطة فاقت أعداد كل من تواجد في الباحات. دخل شارون من جهة حائط البراق. أحاطه المئات من رجال الشرطة وحجبوا إمكانية مواجهته أو حتى الاقتراب منه. مئات أخرى أحاطت بنا بعد أن فرقونا إلى جزر بشرية.
لم تستمر الزيارة لأكثر من ساعة ولم تتخللها أية صدامات جسدية، لكنها خلفت ما يكفي من مشاعر الغضب والتحدي في نفوس شعب مقهور عاش سنوات على سراب عملية سلام لم تأته بأي خير، ولم تنعش رئتيه المخنوقتين من القمع والعوز. زيارة لم تبقٍ لأحرار إلا العودة للحجر.
سعى فيصل وبإصرار ذكي على تحييد منطقة الحرم القدسي وإبعاده عن ساحات العراك المباشر مع إسرائيل التي أجادت دائماً وحاولت إقحامها كساحة مواجهة مباشرة. هدف فيصل كان استبعاد المواقع الدينية عن نقاط التماس المباشر وذلك تأميناً لما أحرز من وضع قائم ألزم جميع الأطراف وخاصة الإسرائيليين على احترامه، وكذلك إمعاناً منه على إبقاء صراعنا مع الإسرائيليين، وفي القدس خاصةً، صراعاً سياسياً قومياً، البعد الديني أحد مركباته، ولكنه هامشي لا يتصدر مواقع النزاع.
بعد صلاة الجمعة، وفي غداة يوم زيارة شارون، هب المصلون وشرعوا بإلقاء الحجارة باتجاه قوات الشرطة والجيش التي تواجدت بشكل مستفز ومعزز في الجهة الغربية الجنوبية لباحة الأقصى. كان أول المصابين بحجارة الأقصى قائد شرطة القدس، ومع إصابته، وتنفيذاً لنوايا مسبقة، وعنجهية إسرائيلية معهودة، بدأت قوات الأمن الإسرائيلية بإطلاق النار الذي خلف عشرات المصابين وسبعة شهداء. أخبار ما حدث في هذا اليوم انتشرت لتثبت أن ما كان محفوراً على جدران فلسطين هو واقع يتفجر، وأن هدوء شوارع القدس لم يكن إلا رماداً أخفى ذلك الجمر المتقد في صدور من لم يبق لديهم إلا الكرامة وواجب الدفاع عنها.
في البدايات كان الحجر الفلسطيني السلاح في وجه نار الإسرائيليين التي أسقطت عشرات الشهداء. نار إسرائيلية هوجاء حارقة قاتلة أدت إلى انتقال فلسطيني واستعمال السلاح العشوائي في وجه نيران إسرائيل، نقلة كانت وما زالت جدواها موضع فحص وتساؤل. أما فيصل وآخرون فآمنوا بمقاومة الحجر لأن نجاح النيران مرهون بما تحققه من أهداف سياسية وإن كان لا بد من مقاومة عسكرية فهذه يجب أن تكون مدروسة ومخطط لها كما تستوجب كل مقاومة عسكرية لأي محتل وغاصب. ما حصل وتتطور بعد هذه الأيام أصبح تاريخا مختلفاً على تقييمه، وأوصل إلى حاضر فلسطيني جريح يئن ويصرخ سيؤدي إلى مستقبل بحاجة إلى نبي لاستشرافه، علما بان عهد النبوات قد ولّى.
لم يعش فيصل طويلًا بعد هذه الأحداث، ففي أيار 2001 ذهب إلى الكويت التي لم يعد منها. ذهب مؤمنا ومرددًا، إن كان عدوك يجيد المصارعة أو الملاكمة لا تنازله بما يجيد، بل حاول استدراجه إلى رقعة أنت فيها أجود وأكثر مهارةً، فإن أجدت الشطرنج فلتكن هي لعبتك فحظوظك فيها أوفر.
هكذا آمن، وهكذا مارس سياسته ومقارعته للمحتل الإسرائيلي، وغالباً لم يكن هو الخاسر والمغلوب، لم يخف الموت بل عاش مؤمناً بكونه مشروع شهيد، إن كان لا بد من الموت، وهو ذلك الذي يبعث الحياة للآخرين. قدس الحياة ومن أجلها قاوم بكل أشكال المقاومة فهل كان بموته بالكويت حياة للآخرين؟ اسألوا القدس التي مازال جرحها مفتوحاً وينزف.
