قديمًا قال حكيم، إذا أردت ان تزرع لسنة واحدة فازرع قمحًا.. أما إذا أردت ان تزرع لمئة سنة فازرع زيتونًا. وإذا أردت ان تزرع للعمر كله فازرع إنسانًا!
فالإنسان خير ما يُستثمر به.. قلت هذا وما أزال.. وأنا أتحسر على وضع الإنسان في عالمنا وبالذات في العالم العربي والعالم الإسلامي.. فلا قيمة له وربما كان الأرخص.. ومن التعامل معه نفهم عنه وعن نظرتنا إليه.
في أواخر سنوات الستين من القرن الماضي كانت حرب عام 67 والتي احتلت فيها إسرائيل الضفة والقطاع وشبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان السورية في ستة أيام.. كان ذلك نصرًا ساحقًا افقد الإسرائيليون توازنهم.. ذهبت في حينه إلى مدينة في الضفة الغربية المحتلة وكانت جديدة ومجتمعًا جديدًا. انبهرنا يومها بالمرسيدس الذي استعمل في حينه للمواصلات العامة وكنا كلما ذهبنا إلى هناك رجعنا بحكايات عن رخص المواد ورخص الأكل هناك.. وغاب عنا اننا لم نفطن لرخص الإنسان. وما زلت اذكر كيف ان بعض الصبية كانوا يتجولون بالشاي بين كراسي السينما. وفي باب كل دار عرض سينمائي هناك اجتمع ماسحو الأحذية فكانت عادة ان يمسح الإنسان حذاءه مقابل دراهم معدودة! كنت أسأل نفسي أما لهؤلاء الأولاد من أب؟ كيف يقبل مثل هذه "الصنعة" لولده وفي السينما! كنت استغرب من الزبون الذي يطلب ان يحضر إليه الصبي فنجان قهوة أو كاس شاي! أما أنا فكنت على الأقل اتخذ موقفًا خاصًا بي.. فبالرغم من مشاويري الكثيرة للسينما في نابلس لم اقبل على نفسي مطلقًا ان اطلب من الصبي ان يحضر لي قهوة او ان يمسح لي حذائي.. علّني أساهم بحصتي في صد الرذيلة التي ان عبرت عن شيء فإنما تعبر عن مدى استخفافنا بالإنسان.. كل إنسان.. واليوم ما زال الوضع كما كان..
أيام زمان بالرغم من سوئها إلا انها كانت حسب رأيي أيام ناس أحسوا بكرامات الآخرين.. فلم يستهتروا بالإنسان ولا بوضعه..
ما نسمعه من إخبار اليوم يجعل الإنسان يتمنى ان الله ما خلقه البتة ليرى هذه الأيام حيث يعيش الناس في بحبوحة اقتصادية، أما الأخلاق فنبكي عليها ونقول ساق الله أيام زمان.. والخوف والريبة يسيطران والأمان الشخصي أصبح من كماليات مجتمعنا...
(دير الأسد)
