يخطئ من يظن أنه وحيد عصره، ويخطئ كذلك من يعلو أو يتعالى على غيره، وبدون شك يخطئ أيضا من يزدري الآخرين، ومن دون ريب أن يكون خاطئا أيضا من يحتقر غيره، ويكون خاطئا أكثر وأكثر من تخيّل له أنه مدرسة لغيره من المسؤولين، من القياديين، من المثقفين والذين يتحملون مسؤوليات اجتماعية قيادية ثقافية تربوية وحصرا إذا كان هذا المرء مكشوفا لبعض الناس بقدّه وبتاريخه وبإمكانياته ونهجه الحياتي والاجتماعي وحتى السياسي.
فالناظر من حوله يجد الكثيرين من هؤلاء، هؤلاء الذين يتطاولون على الغير دون أن يدققوا في حسابات أنفسهم، يتطاولون على من هم أكبر منهم سنا، يتطاولون في الحديث والنقد اللاذع البعيد كل البعد عن الموضوعية، ويتطاولون أيضا في نعوتهم للغير، وكذلك في كيل الذم أو التحفظ من هذا النهج أو ذاك، لهذا الإنسان أو ذاك.
فالمرء الواعي والصائب في قوله هو ذلك المرء الذي قبل أن يبدأ بالتطاول والتمادي على غيره يقيّم نفسه جيدا أولا، ويعود إلى الوراء سنة وسنوات وربما أكثر من ذلك، ويضع نفسه في مرآة نفسه ويسرد بينه وبين نفسه كل ما قد تفوه به أو نادى به أو وعظ به على طريقته، أو أرشد به غيره، وكذلك إذا كان يفقه تصرفاته المتواصلة، فإذا تجمعت هذه الأمور معا في نفسه وكذلك غيرها فعلا يمكن حجب كثير من الأخطار والتماديات والتطاول على الغير مهما كانت الدوافع والأسباب.
وعلى سبيل المثال يأتيك نفر من الناس وهو معروف بغالبية تصرفاته وقدراته المحدودة وفشله في حياته، وربما قلة إيمانه في نفسه، يأتي وبدون ذرة حياء ويبدأ بانتقاد إنسان أو شخصية مسؤولة، أسندت على عاتقها مهام كبيرة محلية إقليمية وربما قطرية، قلّما ما يقوم أحد بملء هذا المنصب أو القيام بالمهام على الشكل الأحسن، ويبدأ هذا المرء بإخراج مصطلحات أو أمثال أو أقوال يفترض وجودها بهذا المسؤول أو ذاك، وفي الحقيقة هو منها براء كليا، ويستطرد في كلامه حيث يصف هذا المرء بصفات غير مقبولة وربما لا أخلاقية، وإذا تحققنا من ذلك لوجدنا ان ما تفوه به وما صدر عنة يعاني منة هو نفسه ويحاول تغطية نور الشمس بالعباءة حيث ان هذا الأمر مستحيل.
ويأتي سواه من طرف آخر يخيل له ان النموذج المثالي الذي يحتذى به، هو المثال الصحيح لمنصب الزعامة، ويبدأ بدورة إلصاق التهم الباطلة، أو يسلط كلمات نابيَّة، وقد يختلق أحداثا ويميل لتصديقها رغم اختلاقه لها، ويروجها بين الناس وتصبح وبسرعة فائقة لسان حال الناس وقسم من الناس يصدق ويميل أيضا للحط من قيمة هذا الزعيم، هذا الأمر بدون شك قد ينتج عن فشل لدى هذا المرء أو عن حقد أو مصلحة لم يحصل عليها أو مجرد تجنٍّ لغرض في نفس يعقوب.
ففي مثل هذه الأحوال على الغالب يكون هذا النفر من بني البشر عالة على البشر بل هو عالة على نفسه، وقد يكون أيضا مريضا بمرض لا علاج له فهو مرض الأنانية القاتلة ومحاولة تغطية فشله وتقصيره في هذا الحياة تجاه نفسه، تجاه عائلته وأسرته عن طريق لفت الأنظار، تجاه الآخرين وفي معظم الأحيان هذه تجارة خاسرة قبل ولادتها.
وما من شك ان المجتمع على اختلاف طبقاته وفئاته زاخر بالآراء، زاخر بالأفكار ويزخر أيضا بالمستجدات وبالانتقادات البناءة ومنها التافهة الصادرة من اجل النقد ليس إّلا، وهذا المرء ينتقد وبشدة قيادة ذاك المرء ويكيل له كل الصفات غير المألوفة ويدّعي أنه إنسان قيادي فاشل، قيادي محدود الأفكار، والتصرفات، لا يمكن أن يحتل هذا المنصب وقيادته، وقد يغرق هذا المرء في طغيان نفسه، ويروّج دعايات على اليمين وعلى الشمال ليضرب بها مكانة المرء القيادي الكفؤ الذي يقوم بأداء دوره القيادي بشكل جيد، وبعد فترة زمنية محدودة وبمحاسبة النفس وجلوسه مع ضميره على انفراد ربما يتيقن هذا المرء إذا وجد لذلك سبيلا، نعم يجد انه تجنى بتصرفه على هذا القيادي وبدوره يبدأ بالتراجع إذا استطاع ذلك، لأنه مثل هذه الأمور تتطلب القدرة على التفكير والقدرة على محاسبة النفس، والقدرة أيضا على اتخاذ القرارات وقول الحقيقة أولا لنفسه ومن ثمّ للغير، وعندها يبدأ بتأنيب ضميره إذا أحسن ذلك طبعا، ويعترف على الأقل لنفسه بأنه ارتكب خطأ أو قيّم الآخر بشكل خاطئ الا إذا كان متعمدا في ذلك، فلا مكان لمحاسبة النفس، وما يبقى له في كل الحالات إلا الحسرة والفشل ونبذه من قبل الآخرين نتيجة تصرفاته.
وقد يرى المرء وعن قرب كيف يقوم أُناس محدودو النشاط، محدودو المعرفة، كُسالى متخبطون، يكاد يكونوا أغبياء، لا يدركون جيدا ما يدور حولهم، مشغولون في القال والقيل، لا يأخذون على عاتقهم أي شيء إلا وكان مصيرهم الفشل، لضعفهم ولغرورهم بأنفسهم، أناس كهؤلاء كُثٌر وللأسف وتراهم أيضا لا يقفون عند هذا الحد فتراهم يكنّون كل البغضاء لنفر من الناس والمعروفين بعصاميتهم، بمثابرتهم وبتصميمهم حققوا الكثير الكثير في حياتهم الاجتماعية، الثقافية وحتى بأحوالهم الاقتصادية، لم يألوا جهدا في العمل المتواصل الذي قادهم من نجاحٍ إلى نجاح، ويستمر هذا النفر من الناس بالتمادي والتطاول على من هم ليسوا قدّهم، هم ليسوا في عداد العناصر الفعّالة والايجابية في المجتمع، بل هم عالة على هذا المجتمع، هم بؤرة للسوء والفساد، بؤرة للشر، بؤرة للمشاكل وبؤرة للتخريب، ويكون المدبر والمحرك الأول والأخير لخلط الحابل بالنابل بغية النيل من هؤلاء الناجحين، للنيل منهم ولا يهم بأي شكلٍ أو بأية صورة يتصرفون.
إلا أنه في غالب الأحيان تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ويبقى هؤلاء المتطاولون يطوفون في مخيّالاتهم الخاوية، يسرحون ويمرحون في دوامة محدودة، وتمرّ الأيام والأعوام وهم كذلك وربما حققوا إنجازات في الاتجاه المعاكس، والأمثلة كثيرة ولا حصر لها في ثنايا المجتمع.
وعليه، لهؤلاء الناجحين والمثابرين والعصاميين نقول وبكل اعتزاز: سيروا والله يرعاكم، لأنه على قدر أهل العزم تأتي العزائم، وطالما أن الطريق سليم والنوايا طيبة والعمل موضوعي فلا تكترثوا أبدا بالمتطاولين والمتمادين حيث ان مصيرهم حتما هو الحفاظ على منزلتهم في الفشل والاصطياد بالمياه العكرة ولا يتقدمون قيد أنملة.
فالمجتمع في رأيي من هؤلاء براء والأفضل لهم أن يفيقوا من سباتهم ويروا الحياة كما هي، ويكفيهم نوما وسباتا في وضح النهار، لأن الأمر على أرض الواقع غير ذلك ورُبما أن هذه الصحوة من هذا السبات تحثهم أو تقودهم إلى الحياة الأفضل ويصحون صادقين مع أنفسهم أولا وإن صح ذلك حقيقةً يصدقون مع المجتمع ثانيا.
(أبو سنان)
