قرأت مقالة بروفيسور "مروان دويري" بعنوان "بين الإنتماء القومي والموقف الأخلاقي" وسرّني طرح الكاتب لكن لي عليه بعض الملاحظات.
يقول بروفيسور دويري:"الإنتماء القومي ليس قدرًا وليس عرقًا تحكمه قواعد الوراثة بل نتاج سيرورة سياسية واجتماعية يتبنّى فيها الناس قضيّة عادلة أو غير عادلة".
لا أدري إلى أي أسس يرجع هذا التعريف المغاير تمامًا لكل ما نعرفه عن الإنتماء القومي الذي يستند إلى الوراثة والحضارة واللغة والعادات والعقيدة الدّينيّة.
الإنتماء القومي ليس عمليّة تبنٍّ لقضية عادِلَة أو غير عادِلَة لأنه يستند إلى الأسُسِ الآنفة الذكر، فوحدة المصير والحدود الجغرافية هي من سمات الشعور القومي الذي يقوى بصورة طبيعية إذا وجد تهديد خارجي، وما كان للتهديد الخارجي دور مركَزي في صياغة شعور المجموعة بالإنتماء القومي.
يقول بروفيسور دويري: "انّــهُ لا يتضامن مع غَزّة لأنّها من قبيلتنا، بل من منطق إنساني" !!
ولكننا نتضامن مع غزة لأنها جزءٌ من نفس الشعب الذي ننتمي إليه أوّلا ومن ثم لأسباب إنسانية.. فالشعب الفلسطيني لم ينشأ كنتيجة للصراع مع الصهيونية بل كان جزءا من المد العربي الذي فشل أمام الحركة الصهيونية وعندها فهم الفلسطينيون بأن عليهم أن يأخذوا زمام أمورهم بأيديهم..
حقوق الإنسان عليها إجماع عالمي ولكن الشعوب تختلف بدرجة تُمَكِّنُها من الحصول على حقوقها،فحقوق الإنسان محفوظة في أوروبا ولكن بصورة انتقائية.. فهناك قوانين الهجرة المتشددة تجاه غير الأوروبيين وهناك تعاون وثيق بين الدول "المتنورة" والأنظِمَة القمعية التي تدوس أبسط قوانين الإنسانِيّة..
يشدد بروفيسور دويري على أهميّة الموقف الأخلاقي من أي قضية كانت ومن هنا يرى الكاتب بأنه لم تكن إدانة كافية من طرفنا لفشل العائلة من "مستوطنة إيتمار"!!
نعم، قتل الأبرياء مرفوض بغض النظر عن هويتهم ولكنك يا بروفيسور تعرف حق المعرفة حجم معاناة الفلسطينيين اليومية وأنت تعرف نوعية السكان في إيتمار، ومدى كرههم الشّديد وازدرائهم للفلسطينيين.. فهل توقّع البروفيسور مروان دويري أن تخرج المظاهرات في المدن والقرى الفلسطينية للتنديد بجريمة قتل العائِلة من إيتمار؟! لا أدري ما هي توقعات الكاتب من الفلسطينيين الذين يرزحون تحت عبء الإحتلال ووطأته الشديدة عليهم!
برأيي مطالبة بروفيسور دويري للفلسطينيين لمواقف أكثر أخلاقية هي مطالبة غير واقِعِيّة وإن كانت من الناحية الفكريّة سليمة مائة بالمائة..
يرى بروفيسور دويري بأن تبني الفلسطينيين للمواقف الأخلاقية عمل مهم في المعركة التي يديرها الفلسطينيون ضد الإحتلال..
وثم يتعرض لقصف المدنيين الإسرائيليين باعتباره عملا لا أخلاقِيًـــا..
الحقيقة هي أن هذا العمل يعود بالضرر على الشعب الفلسطيني لأنه غير أخلاقي ويقابل بردة فعل شديدة من قبل إسرائيل...
للتلخيص: فان أفكار بروفيسور دويري شجاعة ، ويرى أن البعد الأخلاقي هو فوق أي اعتبار آخر..
الطرف الضعيف والذي يعاني يصعب عليه التخلص من آلامِهِ ومعاناتِهِ التي تتحكم بالكثير من ردود فعله التي قد تعود عليه بالضرر..
الأفكار الجيدة لا تصمد دائِمًا أمام محك الواقع ،وقتل الأبرياء هو ليس فقط القتل بمعنى التصفية الجسدية فهناك قتل الأمل والرغبة بالحياة الكريمة وتحقيق الذات...
قتل روح الشعوب جريمة ممنوع السكوت عليها أخلاقِيّا!!
(شعب)
