خطأٌ ولكن ...

single

أثار تقرير غولدستون موجة من عواصف، تتالت من لحظة إعلانه وما انفكت تداعياتها تتفاعل، والخاسر الحقيقي هو الشعب الفلسطيني، بؤساؤه وضعفاؤه، أولئك الذين يدفعون دائماً فاتورة قمع الاحتلال الإسرائيلي وتواطؤ حلفائه الدوليين ومن لف لفهم، ومعادلة معالجة الخطأ بخطأ أفدح منه.

ليس من باب تحليل مضامين هذا التقرير، ولا من باب التكهن لما سيفضي إليه من عواقب، وما إذا سيتحول هذا التقرير إلى أداة يفعّلها المجتمع الدولي وهيئاته، ليحاسب من كان مسؤولاً عما وصف بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ارتكبت بحق الفلسطينيين في غزة، فالطريق إلى هذا ما زال طويلاً، إنما يبقى هذا التقرير بمثابة سابقة هامة أدين فيها فعلٌ إسرائيلي عيني كجريمة حرب بكل ما تعنيه هذه الإدانة من إقرار دولي يقلب معادلة أخلاقية إسرائيل كدولة ضحية تدافع عن نفسها، إلى دولة  قادتها يرتكبون جرائم  حرب.

قادة إسرائيل يعون جيداً ما هو الجديد في هذا التقرير ولذلك عارضوه وهاجموه منذ لحظة إعلانه وما زالوا يحاولون إجهاض ما قد يترتب على ما جاء فيه من خلاصات، وهم يؤكدون في جميع مرافعاتهم أن اللامعقول فيه هو احتساب إسرائيل دولة معتدية، بينما يصرون على أن إسرائيل قامت بما قامت به كدفاع عن النفس وكدولة وقع سكانها ضحايا لاعتداءات قسامات حماس طيلة سنوات عدة.

أما السلطة الفلسطينية فأيدت التقرير منذ لحظة إعلانه وطالبت أن يعرض على مجلس حقوق الإنسان ليعتمده ويحوله إلى مجلس الأمن لمتابعة الإجراءات وما يلزم.

حركة حماس عارضت التقرير، لأنه وازى بين ما اقترفته آلة الحرب الإسرائيلية في غزة وما قامت به حماس من أفعال. ثم غيرت حماس موقفَها، وأعلنت عن قبولها لهذا التقرير وما جاء فيه.

إسرائيل ما زالت على موقفها، تقارع، تناكف وتصرخ ضد التقرير وتجند حلفاءها وأصدقاءها كي لا يصوتوا عليه في مجلس حقوق الإنسان، آملة بأن تحتوي أضراره.

السلطة الفلسطينية، ومن خلال مندوبها في جنيف طالبت بتأجيل التصويت على هذا التقرير وسوغت ذلك بذرائع واهية وضعيفة، مما أثار موجة جديدة من العواصف، أخمدت تلك التي أثارها التقرير ذاته وحولت السلطة إلى هدف تسابق الجميع إلى رميه بسهامهم بعد أن خونوا السلطة واتهموها بالعمالة والتفريط، وهكذا دوويَ الخطأ بخطأ أفدح منه والخاسر كما قلنا هو الشعب الفلسطيني.

قرار السلطة كان قرارا متسرعاً وغير مدروس، واعتمد على حجتين ضعيفتين غير كافيتين لتبرير طلب التأجيل. كانت الحجة الأولى أن التأجيل ضروري لضمان أكثرية بين الدول أعضاء مجلس حقوق الإنسان والثانية كانت أن التقرير وازى بين الفعل الإسرائيلي وممارسات حركة حماس.

أضعف ما يقال إزاء الحجة الثانية أنها غير بريئة ومبتذلة، فلا أحد يؤمن حقيقة ً بأن السلطة الفلسطينية تعمل لحماية حركة حماس وما قد يطالها من تبعات جراء ما أقره التقرير وخلص إليه. أما فيما يتعلق بضمان تأييد أوسع في حالة التأجيل، فهذه لا تتعدى كونها أمنية لا ضمان لها ولا أساس لما يبررها وهي لذلك فُهمَت على أنها محاولة سلطوية للتسويف بهدف إماتة التقرير وذلك رضوخاً لضغوطات شتى، ولا فرق هنا ما هي تفاصيل هذه الضغوطات وإن كانت من باب السياسة أو الابتزاز.

لذلك نقول إن التأجيل كان خاطئاً وما تلاه من رد فعل سلطوي اتسم بالتخبط والتأتأة لا يضيف مأثرة ً لموقف السلطة، بل يزيده غموضاً ويستدعي أسفاً على أسف.

إن الاكتفاء بانتقاد السلطة الفلسطينية أو بالهجوم عليها كما حصل، هو أهون الخيارات، حتى وإن كان هذا حقاً أو واجباً تملكه جميع الأحزاب والحركات السياسية، لا بل كل فرد فلسطيني وجهة مؤيدة وداعمة حقاً للقضية الفلسطينية، إلا أن ممارسته يجب أن تتعدى تسجيل الموقف وانتهاز فرصة لتعزيز موقف الجهة المنتقدة سياسياً وتأمين مصالحها الضيقة.

باعتقادي، إن هجوم حركة حماس على السلطة الفلسطينية ورموزها بالشكل والمضمون، لا يتعدَّى كونَه استثمارا لإحراز نقاط في نزاعها الداخلي على السلطة الفلسطينية، وهي بهذا شريك كامل لأزمة الحركة الوطنية الفلسطينية ومأزقها الخطير.

فحماس التي عارضت التقرير في البداية، وأعلن، فيما بعد، قادتها عن تأييدهم له، تفعل ذلك لدواع تكتيكية محضة، فهي مجرَّمة في التقرير كما جرّّمت إسرائيل وان لم يكن تأييدها للتقرير تكتيكياً، ومن باب دعوا غيرنا يرفضه، فهل يعني أنها توافق على كونها حركة مارست جرائم حرب كما أقر التقرير في حقها؟!.

لقد كان أولى بحماس أن لا تشرَع بدق طبول الزفة للسلطة ورموزها وأن تغلّب مصلحة أبناء القطاع، ضحايا العدوان الإسرائيلي، على أي مصلحة فئوية أخرى، لأن زفتها هذه وما أثارته من صخب وجلبة، أصمّت آذان العالم عن جلبة تقرير جولدستون وأعادتنا مجدداً إلى المربع الفلسطيني الفلسطيني، لنختار بين سلطة، تدَّعي حماس وغيرها أنها متخاذلة متواطئة، وبين أمارةٍ تحكمها حماس وتخطط وتأمل أن تفعل كذلك فيما تبقى من أراض فلسطينية محتلة.

لقد زوَّد طلب السلطة بتأجيل التصويت على جولدستون فرصة للكثيرين للركوب والمزايدة على الفلسطينيين. بعض الأنظمة، وخاصة العربية، عبرت عن استيائها من طلب السلطة والكل يعرف أنها تمنَّت هذا وصلت من أجله، فها هو مندوب دولة قطر يفهمنا انه لا يستطيع أن يكون كاثوليكيا ً أكثر من البابا وهو يمثل بهذا مجموعة من الدول التي كانت ستحرج لو عرض التقرير للتصويت ومع هذا نتساءل هل حقا  قبلت هذه الدول في الماضي إملاءاً فلسطينياً؟هل حقا ً لحقت هذه الدول بما أرادته فلسطين في المحافل الدولية؟ ألم يستطع هؤلاء الغيورون على مصالح الشعب الفلسطيني والمتألمون لمصائبه وجرائمه، أن يصروا على المضي في عملية التصويت، فالقضية ليست دعوة لعرس، عريسه ابنٌ لهذا الزعيم أو ذاك، بل قضية جرائم أوقعت ضحايا وحقوقٍ عليهم وعلى باقي دول العالم أن يحموها؟.

لو أجاد صاحب القرار الفلسطيني حساباته لامتنع عن تقديم طلب التأجيل، ولو من باب تفويت إمكانية المزايدة من هذه الأنظمة ومجموعات سياسية أخرى، سنأتي على ذكرها بعد انتهاء جولة التصويت في مجلس حقوق الإنسان المتوقعة هذه الأيام.

خطأ جسيم ارتكب ويقابل بخطأ ٍ يحول السلطة إلى عدو، استبدل مكانة الاحتلال وجرائمه، أعداء الصف الأول، كما موضعهم تقرير جولدستون، ولا غرابة في ذلك، فمتى أجدنا اللعبة يا أخوة؟ منذ عهد القسام وإلى عهد القسامات ما زلنا كالثيران في تلك المغارة، يتغير الأسد على بابها ويؤكل من يؤكل أولاً وثانياً وثالثاً تارة ً أحمرَ وتارةً أخضر وتارة ً أسود وتارة ً أبيض

قد يهمّكم أيضا..
featured

"حول قدسية الحرية وحتميتها"

featured

نتنياهو ورداء الحمل

featured

العلمانية لا تخاصم الدين.. وانما السلطة الدينية

featured

في الالتزام الذاتي

featured

لا عودة عن "مسيرة العودة"!

featured

من يقرر قبول اتفاق السلام؟

featured

استشهاد جواهر أبو رحمة وسؤال المقاومة السلمية

featured

مباي: حزب كانت له دولة اصبح بلا هوية وبلا رسن لقيادة سلطة؟!