مباي: حزب كانت له دولة اصبح بلا هوية وبلا رسن لقيادة سلطة؟!

single

قبل عدة ايام صادفت ذكرى مرور ثمانين سنة على قيام حزب "مباي" الصهيوني الجدّ التاريخي والايديولوجي السياسي الاجتماعي لقواريط من تبقى من حزب "العمل" بقيادة ايهود براك، وقد مرت هذه المناسبة دون اية طنطنة اعلامية او تقييم اعتباري سوى ذرف الدموع من بعض الشخصيات التي كانت يوما في "مباي" او "العمل" امثال شولميت ألوني وعوزي برعام وغيرهما الذين أحزنهم ما آل اليه حزب العمل من فقدان الهوية والبوصلة واصبح مصيره بقيادة الصقر اليميني ايهود براك يتأرجح على كف عفريت. وعدم الاهتمام بهذه المناسبة على مختلف المستويات الاعلامية والرسمية والشعبية يعكس حقيقة انحطاط القمة السياسية لهذا الحزب. وفي ذكرى التأسيس تلقى حزب العمل، والاصح معسكر براك في حزب العمل اشبه ما يكون بالصاعقة السياسية. فأحد قادة حزب العمل البارزين ومن المتمردين على قيادة ونهج براك اليميني وانضمامه الى حكومة نتنياهو – ليبرمان اليمينية المتطرفة، وبعد اكثر من ثلاث عشرة سنة في الكنيست اعلن النائب أوري بينيس باز يوم الخميس الماضي في مؤتمر صحفي انسحابه من حزب العمل. وفي تبريره لاسباب انسحابه من حزب العمل قدم أوري بينيس شهادة ادانة لحزب مأزوم فقد طابعه وهويته وما كان يميزه عن قوى اليمين حتى ولو مجرد فوارق هامشية. يقول بينيس "لا يوجد لدي حزب ولا يوجد لدي قائمة ولا يوجد لدي قائد، براك يقود الحزب الى دمار". ويضيف "في السنة الماضية نشطتُّ بكل قوتي لاقامة اطار برلماني يؤلف بديلا حقيقيا في اليسار الاسرائيلي، وللاسف لم ينجح هذا وتوصلت الى استنتاج انه لن ينجح فيما بعد. حزبنا في طريقه الى الاختفاء، حزب العمل خان طريقه وخان ناخبيه وانضم الى حكومة يمين متطرفة. حكومة اعطت الشرعية لنتنياهو وليبرمان ولا للعملية السلمية، لا للعدالة الاجتماعية ولا للتعليم ولا يوجد دفاع عن سلطة القانون ولا الدفاع عن الدمقراطية، ولكن يوجد خضوع مطلق للتطرف الذي يملي الموقف"!!
إن انسحاب بينيس من حزب العمل ليس حادثة فريدة او طارئة بل يعكس نزعة ترافق هذا الحزب منذ خسارته للسلطة في السبعة والسبعين لصالح حزب الليكود اليميني بزعامة مناحيم بيغن. فالسقوط عن عرش السلطة رافقه تدريجيا عبر سنوات التطور سقوط العديد من بنود هويته التي كانت تميزه عن الليكود وتذيل في خانة "ليكود ب" الى ان ارتمى نهائيا في احضان اليمين الفكر والممارسة.
** خلفية لا مفر من ابرازها:
لا أود في سياق هذه المعالجة اللجوء الى السرد التاريخي لمسيرة وتطور حزب مباي ومن ثم المعراخ ومن ثم العمل، ولكن لا مفر في هذا السياق من ابراز بعض الحقائق التي تعكس طابع هذا الحزب ومدلولاته السياسية والاجتماعية. فتاريخ هذا الحزب الصهيوني اسود من السخام على حلبة الصراع الاسرائيلي – العربي. فحزب مباي عندما تأسس قبل ثمانين سنة شملت قيادته المسؤولين في الحركة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية ومختلف المؤسسات الصهيونية، فهذا الحزب قاد عمليا تجسيد وعد بلفور الاستعماري باقامة دولة داخل دولة في فلسطين الانتدابية ومن خلال "الييشوف"، فهذا الحزب هو من قاد عملية الهجرة اليهودية الى فلسطين وقاد الهستدروت كنقابة عنصرية للعمال اليهود، وعن طريق الوكالة اليهودية والكيرن كييمت وكيرن هيسود اشتروا واستولوا على اراضي الفلاحين العرب وحولوا المستوطنات الى ثكنات عسكرية، وبالتعاون مع الاستعمار البريطاني بنوا قواعد فرق الجيش الهجانا وغيرها. كما قاد هذا الحزب عن طريق الهستدروت قطاعا اقتصاديا هاما في الصناعة  والزراعة والمواصلات وفي المجال البنكي المصرفي. فحزب مباي قاد عمليا وبدعم من الانتداب البريطاني وتخاذل الرجعية العربية الى بناء دولة على الطريق، ساحبا البساط تدريجيا من تحت اقدام الشعب العربي الفلسطيني.
وبقيادة حزب مباي جرى ممارسة الاحتلالات الصهيونية العنصرية الثلاثة، احتلال الارض واحتلال العمل واحتلال السوق من ايدي العرب الفلسطينيين ولتضييق الخناق عليهم. وهذا يعكس حقيقة انه منذ بدء الاستيطان اليهودي الصهيوني في فلسطين لم تستطع الصهيونية اخفاء طابعها الرجعي العنصري وانيابها العدوانية المفترسة، وانه منذ بداية الاستيطان لم يكن هدف الصهيونية واسيادها الاستعماريين التعايش الاخوي واقامة علاقات حسن الجوار مع اهل الوطن الاصليين من الشعب العربي الفلسطيني، بل كان الهدف اغتصاب الوطن من الفلسطينيين، "جمل محل جمل برك" وتحويل الوطن القومي اليهودي الى مخفر عدواني أمامي في خدمة المخططات العدوانية الامبريالية ضد حركة التحرر القومي والوطني العربية والعالمية. وكانت النكبة الفلسطينية وحروب اسرائيل العدوانية التجسيد لهذه العدوانية الصهيونية.
لقد كان حزب مباي حزبا له دولة حيث تحت سيطرته، ومنذ قيام اسرائيل وحتى السبعة والسبعين، الحكومة والاكثرية في البرلمان وقيادة الجيش واكثر من تسعين في المئة من ملكية الارض وقيادة الهستدروت بتبعيتها كقطاع اقتصادي وكنقابات عمالية، وقيادة الشرطة والمخابرات ووسائل الاعلام الرسمية. وقد عانت جماهيرنا العربية، اقليتنا الفلسطينية العربية الاصلانية الامرّين من السياسة العنصرية الاضطهادية التي مارستها حكومات مباي والمعراخ بعد النكبة. فسلطت على رقاب جماهيرنا السيف الارهابي للحكم العسكري البغيض وصادرت ونهبت غالبية اراضينا العربية في الجليل والمثلث والنقب تارة تحت يافطة "تطوير الجليل" واخرى "تهويد الجليل"، ولاحقت الهستدروت عمالنا العرب وحاولت الحكومة العنصرية نشر العدمية القومية وتجهيل اجيالنا الصاعدة ولاحقت القوى الوطنية والشيوعية وصحف "الاتحاد" والجديد
 والغد. كما عملت على تزوير حقيقة الموقف الوطني، الارادة الوطنية لجماهيرنا باقامة قوائم عربية مدجنة سلطويا ومجرورة بحبال التبعية بحزب مباي - المعراخ وغيره. ولا يمكن لشعبنا ان ينسى ان المجازر الدموية ضد جماهير شعبنا من مجزرة دير ياسين وعيلبون ومجد الكروم والبروة والطنطورة وغيرها ابان النكبة، ومجزرة كفر قاسم ومجزرة يوم الارض و "ام السحالي" ومجزرة هبة القدس والاقصى ارتكبت ايام حكم حزب مباي وايتامه من المعراخ والعمل.
ولهذا، فاننا لا نذرف دمعة واحدة اذا انقرض حزب "العمل" والى ستين جهنم. ولكننا من منظورنا السياسي ومسؤوليتنا الكفاحية وواقعيتنا، نعمل على تحليل الامور برويّة وعلى امل ان يساعدنا ذلك في معتركنا الكفاحي. والحقيقة هي انه حدثت في اسرائيل والعالم تغيرات عكست اثرها على الخارطة السياسية في اسرائيل.
فبعد انتصار الشعب الفيتنامي وهزيمة امريكا في فيتنام وجنوب شرق آسيا تحولت اسرائيل الرسمية الى اهم مخفر استراتيجي امامي عدواني في اطار الاستراتيجية الامبريالية الامريكية في المنطقة وكونيا. فقد تضاعفت "المساعدة" الامريكية بشكل هبات لاسرائيل وبمشاركة احتكارات المجمّع الصناعي العسكري الامريكي انتعشت الصناعة العسكرية الاسرائيلية كمّا ونوعا، واصبح المجمع العسكري الصناعي الاسرائيلي يشكل اكثر من (20%) من العاملين في اسرائيل وينتج حوالي 40% من المنتج الوطني الداخلي. وباستشارة ميلتون فريدمان تغلغلت الخصخصة الى الاقتصاد وتسليم المفاتيح للقطاع الخاص المحلي والاجنبي. وضربت فروع الانتاج المدنية واضطرت الهستدروت والدولة الى بيع وتصفية ممتلكاتهما تدريجيا وتنظيم هجوم منهجي على مستوى وشروط عمل العاملين (نسبة التعويض عن الغلاء). وبدأت تبرز انياب الازمة والركود من زيادة عجز ميزاني التجارة والمدفوعات وزيادة وتيرة التضخم وانخفاض مستوى المعيشة. هذا اضافة الى الازمة السياسية التي عمّقها الاحتلال الاستيطاني للمناطق المحتلة الفلسطينية والسورية والمصرية. وفي ظل هذه الازمة استغل حزب الليكود اليميني برئاسة بيغن وبديماغوغيته الاجتماعية المعروفة ونجح في الاستيلاء على السلطة في انتخابات الكنيست عام 1977. فسقوط حزب العمل عن عرش السلطة كان بداية تدهور هذا الحزب. وفي الواقع كان داخل حزب العمل صراع بين تيارين، تيار يمين الوسط وتيار يسار الوسط، واحيانا يبرز هذا الصراع واحيانا يخف. ولكن دائما يفقد اعضاء بارزين ينسحبون من صفوفه، وخاصة من يسار الوسط، فكان اول المنسحبين احتجاجا على سياسة الحزب شولميت الوني ويوسي سريد اللذين اقاما حركة "ميرتس" اليسارية الصهيونية. وبدخول حزب العمل "حكومة الوحدة القومية" مع حزب الليكود اخذ يفقد تدريجيا بريق ما يميزه عن الليكود واليمين. فتأييد "صفقات العمل" المعادية للعاملين والسياسة الاقتصادية المعادية لمصالح الطبقة الكادحة والفئات الاجتماعية المسحوقة، وممارسة سياسة الجرائم والاستيطان ضد الشعب العربي الفلسطيني جعلت من الصعوبة بمكان ايجاد فوارق جوهرية بين العمل والليكود. واذا استثنينا فترة حكم رابين في بداية العقد التاسع من القرن الماضي حيث كان لحزب العمل اربعة واربعون عضو كنيست، فان تمثيل حزب العمل البرلماني انخفض تدريجيا في كل دورة انتخابية برلمانية جديدة. ولصق بحزب العمل القول والتعريف "ليكود ب". وايهود براك وبنيامين بن اليعزر كانا دائما من صقور اليمين في حزب "العمل" وعندما زحفا على البطون بدخول حكومة اليمين برئاسة جنرال الاستيطان والمجازر ارئيل شارون بعد مجزرة القدس والاقصى وممارسة ارهاب الدولة الاسرائيلية المنظم ضد الفلسطينيين في المناطق المحتلة وضد جماهيرنا العربية، في مثل هذا الوضع انسحب من حزب العمل من كانوا يعتبرون من يسار هذا الحزب امثال عوزي برعام ويوسي بيلين وياعيل ديان وغيرهم، كما انسحب فيما بعد عضو البرلمان افرايم سنيه من يمين مركز هذا الحزب.
إن انخفاض تمثيل حزب العمل من 19 نائبا في الدورة السابقة الى 13 عضوًا في الانتخابات الاخيرة وانتقال حزب العمل الى الكتلة الرابعة في الكنيست، كل ذلك لم يؤد برئيس الحزب ايهود براك، الملاحق كمجرم حرب في غزة الى استخلاص النتائج والاستقالة لان النتائج اثبتت انه يتحمل المسؤولية وفاشل. والانكى من ذلك ان ايهود براك ورغم معارضة اوساط واسعة داخل كوادر وقيادة حزب العمل، زحف مع مجموعة من السحيجة في كنفه بدخول الائتلاف مع اعتى حكومة يمينية متطرفة عرفتها اسرائيل يقودها نتنياهو والمأفون العنصري افيغدور ليبرمان. فبدخوله ومعسكره الائتلاف تنازل عمليا ايهود براك عن كون حزب العمل قد يؤلف بديلا سلطويا لليكود واليمين. فعمليا ان كان مباي جد حزب براك حزبا له دولة فبراك قاد الحزب بتمزيق اوصاله ليصبح حزبا بلا هوية مميزة وحتى بلا رسن يمكن ان يقود دولة. فحزب العمل اليوم تتآكله المعسكرات والتناقضات فمن الـ 13 نائب كنيست لا يسير مع براك في ائتلاف اليمين سوى سبعة اعضاء كلهم وزراء ونواب وزراء وضده الرباعية التي اصبحت ثلاثية والمناهضة لبراك وللائتلاف مع قوى اليمين المتطرف وهم يولي تمير وايتان كابل وعمير بيرتس، اما يحيموفيتش فتؤلف معسكرًا وحدها ضد حكومة اليمين وضد براك ولكنها ليست مع الثلاثية وكذلك بن سيمون معسكر وحده مناهض لسياسة حكومة نتنياهو- ليبرمان – براك المعادية للتسوية السياسية.
برأينا ان ما يجري في حزب العمل وفي كاديما وحتى في الليكود وغيرها يعكس عمليا حقيقة الازمة السياسية التي تمر بها اسرائيل، والتي قد يتمخض عنها العديد ظواهر الطارد عن المركز – الانقسامات والجاذب الى المركز – التحالفات والتجمعات.

قد يهمّكم أيضا..
featured

على طريق الرافضين

featured

هبة أكتوبر والعبَر الحاضرة

featured

الأستاذ نمر مرقس لا يغيب عن البال

featured

على طريق ايلي كوهين

featured

كيف تضيّع مملكة

featured

عن العشب والذاكرة والمشروع الصهيوني

featured

على طريق البرازيل، يا مصر!

featured

المقاطعة تضامن فعال