على طريق ايلي كوهين

single
لم يكن اعلان المتحدث الرسمي المصري عن تفكيك شبكة جاسوسية اسرائيلية جديدة، جندها الموساد، مفاجئا لأحد، فاسرائيل، صنيعة أكبر حركة عنصرية عرفها التاريخ،  ترى بالجاسوسية زادها الفكري والسياسي والديني ولا تفكر بالتخلي عن هذا العمل المخزي، الذي يؤكد بان الفكر الصهيوني لا يتحمل الشراكة مع أحد، في الأرض او في الحياة ، وان قدر كل صهيوني الوحيد ان يكون ذابحا او مذبوحا.
نعم تاريخ اسرائيل الحديث لا يختلف عن تاريخ اليهود القديم، فقد انتبه الصهاينة مبكرا لأهمية أجهزة التجسس كأحد العناصر الضرورية لتنفيذ المشروع الصهيوني، خاصة في فلسطين، فقد تجسس اليهود على الأتراك ولصالح بريطانيا قبل الحرب العالمية الأولى وخلالها، والدليل على ذلك تمكن الاتراك من القاء القبض على شبكة جاسوسية يهودية مقرها زخرون يعقوب، سميت هذه الشبكة "نيلي"، قادتها المواطنة اليهودية (ساره اهرونسون)  وشقيقها . كانت هذه الشبكة تقدم المعلومات بواسطة الحمام الزاجل عن تحرك القوات التركية والالمانية اثناء الحرب العالمية الأولى لمصلحة بريطانيا، وقد كشفت ارشيفات الانتداب البريطاني عن فلسطين بأن الوكالة اليهودية زرعت العملاء للتجسس على الانجليز، الذين سمحوا بقيام هذه الوكالة وحولوها الى حكومة يهودية داخل حكومة الانتداب .
اعترف دهاقنة المخابرات الاسرائيلية بأن الوكالة اليهودية كانت ترسل الجواسيس اليهود، متنكرين بالزي العربي، الى القرى العربية في فلسطين بغرض التجسس ضد المواطنين العرب في هذه القرى، ولدراسة ومعرفة احوالهم الاجتماعية وصراعاتهم العشائرية والطائفية وغير ذلك .
لم يوقف بن غوريون، اول رئيس وزراء اسرائيلي، هذا السرطان التجسسي بل على العكس قام بتنظيم جهاز المخابرات حسب معايير وطرق حديثة، بعد ان عمل على توحيد جميع الخلايا والشبكات الجاسوسية السابقة. كثفت اجهزة التجسس الاسرائيلية من أعمالها، بتغطية ودعم من الحكومة  ووزارة الدفاع، فأنشأوا فروعا للتجسس في العديد من الدول الأوروبية وغالبية الدول العربية، مثل مصر والعراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها، عاث الجواسيس الصهاينة في العواصم العربية فسادا، وجندوا العملاء لاستخدامهم لمصلحة المشروع الصهيوني .
في العراق مثلا وفي ليبيا قام هؤلاء العملاء بتفجير المقاهي التي يرتادها  اليهود في بغداد وطرابلس، كما وضعوا العبوات الناسفة في العديد من المدن العربية التي يتواجد بها اليهود، واتهموا العرب بهذه الأعمال الاجرامية كي يدفعوا اليهود للهجرة الى اسرائيل وقد نجحوا في ذلك .
لقد كشفت اجهزة الموساد، قبل مدة وجيزة، عن احدى ممارساتها المشينة غير الانسانية التي نفذتها ضد مواطنيها العرب ، فقد اعترفت بأنها كانت ترسل عملاءها من الجواسيس اليهود بعد ان تدربهم ، ويقومون بانتحال شخصيات عربية قروية، ينخرطون مع سكان هذه القرى مستغلين براءة وطيبة ونوايا هؤلاء المواطنين، فيستقبلونهم كضيوف عندهم دون ان يعرفوا بأنهم جواسيس من اليهود تابعين للموساد .
المهام، التي كلف بها هذا الطابور الخامس، رصد تصرفات المواطنين العرب ومراقبتهم وسبر اغوار حياتهم، ومعرفة مواقفهم السياسية في حالة نشوب حرب على احدى الجبهات بين اسرائيل والدول العربية . بعد مرور عقد من الزمن على خدمات هذا الطابور الخامس، تم سحبهم من القرى العربية بشكل مفاجئ، ومن ضمنهم اولئك الذين تزوجوا من نساء عربيات، وقد اعترفوا لهن بالجريمة الانسانية التي ارتكبوها بحقهن وحق اسرهن، وقد اعترفت اجهزة الموساد بأن النسوة المذكورات صعقن عندما علمن بأن ازواجهن من اليهود تزوجوهن بالخديعة والكذب وكثيرات منهن اقدمن على الانتحار .
هذه هي اخلاق اجهزة الموساد الاسرائيلية، شعارها دائما الغاية تبرر الوسيلة، وبالخديعة والمال والنساء نصنع لك حربا. تسعى هذه الأجهزة دائما لتفكيك عقل المواطن العربي، الفردي والجماعي، وخلق تبعية كاملة للعقل الامريكي الصهيوني . الموساد يؤمن دائما بأن جاسوسا واحد افضل من 30 الف جندي في المعركة .
ان فضيحة اسحاق لافون ( الحادث المخجل او القضية المشينة ) في مصر في سنوات الخمسينيات من القرن الماضي، وفضيحة ايلي كوهين في سنوات الستين في سوريا ومئات الضحايا الذين اغتالتهم ايادي عملاء الموساد خارج اسرائيل، اضافة الى مئات الضحايا الذين علقوا على اعمدة المشانق في العواصم العربية بسبب خيانتهم تكشف جزءا  بسيطا من جرائم جهاز الموساد الاسرائيلي .
 وقد كشف رئيس جهاز الشابك السابق، يعقوب بيري،  في كتابه "مهنتي كرجل مخابرات" بعض اوجه هذه الجرائم .
اعتقد البعض بأن اسرائيل سوف تغير نهجها العدواني بعد توقيعها على اتفاقية كامب ديفيد مع السادات، لكن اتفاقية السلام المزعوم زادت من حالة السعار الاسرائيلية في التخطيط للعدوان وفي الاستمرار في تجنيد العملاء لخدمة نواياها العدوانية، خاصة في مصر، رغم ان السادات جاءها طائعا صاغرا معترفا بوجودها وسيادتها قبل اعترافها بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره . سلم السادات اسرائيل كل شيء، وفتح امامها كل ابواب التطبيع ومنع دخول الجيش المصري الى سيناء وانهى حالة الحرب وعادى كل من يعادي اسرائيل ، وأقام التعاون الأمني غير المحدود معها . رغم هذا التفريط المجاني بالأمن القومي العربي، استمرت اسرائيل في سياستها العدوانية باقامة شبكات جاسوسية من العملاء داخل مصر، من هؤلاء من تم كشفهم وتقديمهم للقضاء لينالوا عقابهم، نذكر من هؤلاء نبيل نحاس ، عزام عزام، جويدة روتي، خلية الفلالي المعروفة، محمد ابراهيم كمال الملقب - بماريو -، هبة عبد الرحمن، بهجت حمدان، عبد الفتاح عوض ، انشراح موسى، سليم وليم باسيلي ووالده، والقائمة طويلة.
وحتى الآن لا تزال العديد من الخلايا النشطة تعمل في مصر لصالح الموساد، آخر من تم القبض عليهم والاعلان عنه في بداية هذا الاسبوع الضابط الاسرائيلي الامريكي، ايلان جريفل ، فقد اتضح من التحقيق معه ان الموساد كلفه بمهام كثيرة وخطرة جدا تتلاءم مع الاوضاع الجديدة في مصر، هذه المهام لا تختلف عن المهام التي كلف بها في حينه ايلي كوهين في سوريا في سنوات  الستين من القرن الماضي . من هذه المهام دعم الموساد الاسرائيلي للثورة المضادة في مصر، بهدف اعادة ارض الكنانة الى الوراء وتسليمها الى ايادي مافيا الفساد التي دمرت مصر في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك . اسرائيل تحاول زعزعة الاستقرار في مصر بعد الثورة المجيدة، كما انها تحاول ضرب امنها القومي عن طريق بذر بذور الفتنة الطائفية وتخريب نسيجها الاجتماعي وشق وحدتها الوطنية.
اسرائيل ايقنت بأن ثورة 25 يناير المصرية قلبت حساباتها، بعد 40 سنة من خضوع العرب لها، ايقنت ان مصر فلتت من يدها وتحولت من سمسار موبوء للسلام الى قوة تقف في وجه اسرائيل التوسعية. مطلوب اليوم من قادة الثورة في مصر العودة الى اساليب وطرق الردع التي استخدمت في العهد الناصري ضد خلايا اسرائيل للتجسس، واسرائيل تعرف اكثر من غيرها ما هي هذه الطرق، وقد ثبت ان التهاون مع شبكاتها الجاسوسية لن يزيدها الا صلافة واصرارا على النيل من الأمن القومي المصري، هذا هو الدواء المناسب لمقاسات اسرائيل العدوانية .
قد يهمّكم أيضا..
featured

التعصّب شحنة عنف

featured

منظمة التحرير في خطر (2)

featured

الجبهة.. أمام فرصة تاريخية لاجتذاب ألوف اليساريين اليهود

featured

الشجاعة تؤدي الى المرحاض الذهبي

featured

جيش اسرائيل في قبضة المتدينين

featured

أهمية الاتفاقيات الجماعية للعاملين في الفروع التشغيلية غير المنظمة نقابيًا

featured

شهيد الثورة نمر السعدي (1905-1948)