في إحدى الحلقات التي أذكرها بالخير من المسلسل التلفزيوني المحبب على الأطفال "حارة الحياة"، تحاول رحيلا، أم يوني، أن تقنع يوني بأكل الكبة. ليوني منفر عميق من الكبة وفي كل مرة كان يصطدم بها بهذا المأكول كان يهرب بمشاعر من الاشمئزاز والخوف. أم يوني تستشير مرشد ابنها، ساسون جباي الشاب، كيف تؤدي بيوني إلى الكف عن كراهية الكبة بل إلى حبها. ساسون يشير إلى رحيلا بإيقاف يوني إلى جانبها خلال إعداد الكبة ليرى المواد اللذيذة التي يحبها والتي تتكون منها الكبة. رحيلا تقوم بهذا الأمر. تحضر الآنية والأدوات وتنادي على يوني. النقاش بينهما يدور في هذا الشكل- رحيلا تريه كل إناء مع المادة التي يحتويها: عجين، لحمة مطحونة فلفل أسود وبقدونس ويوني يمر على كل هذه المركبات ويشهر حبه لها كلها. ثم تأخذ رحيلا العجين وتثقبه لتحشوه بخلطة اللحم والمتبلات. "وعلى ماذا حصلنا؟" تسأل ابنها الصغير. وجه يوني يكتسي بنظرة مرتعبة لتنطلق من حجرته صرخة الخوف، "كبة"! يقول بارتباك ويفر هاربا.
وضع والدة يوني يذكرني بوضع إحدى الحركات الأعرق في اسرائيل. عندما نفتح برنامجها ونطرحه أمام الناخب الاسرائيلي المعتدل، وبخاصة الشاب الذي يرنو إلى السلام، فإنه يطلع على المركبات بتلذذ حتى أنه يكاد يأتي على أصابعه.. "دولتان للشعبين؟" تسأله فيجيب "بالطبع، فالجميع بدءا بكديما وإلى اليسار منها يطالبون بهذا منذ سنوات".
"دولة الرفاه؟".
سيتنهد من أعماق قلبه ويتلفظ بشكل حالم "يا ريت".
"المساواة بالفرص للنساء؟".
"يجب أن نكون في هذا المجال شبيهين باسكندنافيا".
"الحفاظ على مناطق خضراء وعلى جودة البيئة؟".
"هذا الموضوع الأقرب إلى قلبي."
"القضاء على التمييز بين العرب واليهود؟".
"رابين بدأ بهذا ومن المؤسف أننا تراجعنا منذ ذلك الوقت. وها نحن نرى بوضوح نتائج التطرف."
"ها هو إذن" تقول له "هنا الحركة الملتصقة بكل مبادئك والتي لم تبعها أبدا مقابل الانضمام إلى الائتلاف. فماذا تقول؟".
ينظر إليك للحظة، وترتسم على وجهه نظرة رعب. وقبل أن يفر بلحظة يلفظ بخوف الكلمة الفظيعة إياها "الجبهة"!
التصويت في الانتخابات منذ سنوات طويلة هو شأن من شؤون التقليد وليس من شؤون الجوهر.
مصوتو اليمين صوتوا لبيغن ولبيبي ولشارون وحصلوا على انسحاب، اتفاق الخليل وخطة الانفصال عن غزة.
مصوتو اليسار صوتوا بيرس، براك وبيرتس وحصلوا على عناقيد الغضب، المزيد من المستوطنات والرأسمالية الخنازيرية. الاستنتاج البسيط هو أننا نصوت منذ عقود لشلة من الكذابين المزمنين. هنالك انطباع أن هذه الحقيقة ذوتت في وعي الكثيرين في الجمهور الاسرائيلي. المشكلة هي أنه بدل الاستنتاج من هذا أنه حان الوقت للتصويت للسياسيين الذين يقصدون ما يقولونه، الكثر يختارون اللامبالاة. استطلاع للرأي أجري مؤخرا أشار إلى أن 43% من الناخبين اليهود الشباب لا يعتزمون التصويت في الانتخابات القريبة.
كثر منهم، عشرات الألوف إن لم يكن أكثر، كان باستطاعتهم، كما فصلت آنفا، أن يجدوا لأنفسهم بيتا في حركة كالجبهة، التي تتمسك بمنهجية بمبادئ اشتراكية وانسانية مقربة إلى قلوبهم. ما الذي يمنعهم عن هذا؟ "ستيجما" أو بلغة عصرية "التصنيف".
المعركة الأخيرة التي أديرت في الانتخابات لبلدية تل أبيب أثبتت بشكل حاد وواضح أن هنالك جمهورا كبيرا من الشباب واليقظين المتعطشين لتوجه حقيقي. عندما كان هنالك توجه إليهم في حملة مدينتنا جميعا ودوف حنين، تم التغلب على كل محاولات التصنيف السلبي لدوف حنين كشيوعي ومناهض للصهيونية. أكثر من أربعين ألف مصوت صوتوا لحنين في المدينة التي حصل فيها حزبه، الجبهة، في الانتخابات الأخيرة على ألف صوت تقريبا.
واضح أن الانتخابات القطرية مختلفة جدا عن هذه البلدية بعدة وجهات. ومع ذلك واضح أن استراتيجية التوجه الراديكالي الحقيقي، بإمكانها أن تجد طريقا إلى القلوب في المستوى القطري أيضا.
ما الذي على الجبهة أن تقوم به لتتحول إلى خيار امام يساري صهيوني مثلي، وأمام عشرات ألوف المصوتين في اليسار؟
أولا عليها ببساطة التوجه إلينا. ترشيح مرشح يهودي آخر، مفضل مرشحة، في الخماسية الأولى للقائمة سيبث رسالة واضحة أن الحزب العربي اليهودي يتوجه حقا إلى الجمهورين. حملة حقيقية في الشارع اليهودي، تبرز النائب دوف حنين والمرشحة الجديدة، قد تودي بلا شك، إلى جذب جمهور كبير. جمهور يضيق بسياسة الفصل والكراهية ويدرك أهمية الشراكة بين الشعوب في هذه البلاد.
في الاستطلاعات الأخيرة يحصل حزب العمل على ثماني مقاعد، والجبهة على خمسة أو ستة مقاعد. تصوروا لو أن الجبهة الجديدة هذه تمكنت من جذب مقعدين او ثلاثة من الشارع اليهودي وتحولت إلى أكبر من حزب العمل. قد يبدو هذا غير طبيعي ولكن هذا بالفعل ليس مستحيلا. هذه، سادتي ستكون ثورة حقيقية.
في الوسط العربي تتعزز نعرات الانفصال والعنصرية أيضا، في ظل اليأس من السلام والمساواة والشراكة مع اليهود. تخيلوا أيضا أي تأثير سيكون للتصويت اليهودي للجبهة على هذا الوسط. هذا قد يكون بداية توجه جديد.
مجلس الجبهة سيلتئم قريبا بهدف انتخاب ممثليها في القائمة. بقي أن نطلب منها الإمساك بهذه الفرصة. جمهور كبير يبحث عن بيت. أرونا أنكم معنيون بنا. لا تتركونا مع ميرتس القديمة وشد الوجه الأخير الذي قامت به.
